سورة مريم · الآية ٤٤
﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أجل الكتب وأفضلها وأعلاها، هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم، فإن ذكر فيه الأخبار، كانت أصدق الأخبار وأحقها، وإن ذكر فيه الأمر والنهي، كانت أجل الأوامر والنواهي، وأعدلها وأقسطها، وإن ذكر فيه الجزاء والوعد والوعيد، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة والعدل والفضل، وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون، كان المذكور فيه أكمل من غيره وأفضل، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله في هذه السورة جملة من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم، وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، فقال: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } جمع الله له بين الصديقية والنبوة. فالصديق: كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به، وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح الكامل، وإبراهيم عليه السلام، هو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال: { إذ قال لأبيه } مهجنا له عبادة الأوثان: { يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{يا أبت لا تعبد الشيطان} أي: لا تطعه (1) في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [يس: 60] وقال: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} [النساء: 117] وقوله: {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} أي: مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله. {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، {فتكون للشيطان وليا} (2) يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} [النحل: 63] . يقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] (3) فيما دعاه إليه أنه قال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} يعني: [إن كنت لا] (4) تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو (5) قوله: {لأرجمنك} ، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم. وقوله: {واهجرني مليا} : قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرا. وقال الحسن البصري: زمانا طويلا. وقال السدي: {واهجرني مليا} قال: أبدا. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: {واهجرني مليا} قال: سويا سالما، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجدلي و [أبو] (6) مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: {سلام عليك} كما قال تعالى في صفة المؤمنين: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] وقال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أوكلما وردت عكاظ قبيلة %~% بعثوا إلي عريفهم يتوسم وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٥٠) ↗التحرير والتنوير
البشر يتقصون مظان المعرفة والعلم لجلب ما ينفع واتقاء ما يضر، قال تعالى: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. [النحل: 43] وفي قوله: أهدك صراطا سويا استعارة مكنية شبه إبراهيم بهادي الطريق البصير بالثنايا، وإثبات الصراط السوي قرينة التشبيه، وهو أيضا استعارة مصرحة بأن شبه الاعتقاد الموصل إلى الحق والنجاة بالطريق المستقيم المبلغ إلى المقصود. ويا أبت تقدم الكلام على نظيره قريبا. [44] 44] يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) إعادة النداء لزيادة تأكيد ما أفاده النداء الأول والثاني. والمراد بعبادة الشيطان عبادة الأصنام عبر عنها بعبادة الشيطان إفصاحا عن فسادها وضلالها، فإن نسبة الضلال والفساد إلى الشيطان مقررة في نفوس البشر، ولكن الذين يتبعونه لا يفطنون إلى حالهم ويتبعون وساوسه تحت ستار التمويه مثل قولهم إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 23] ، ففي الكلام إيجاز لأن معناه: لا تعبد الأصنام لأن اتخاذها من تسويل الشيطان للذين اتخذوها ووضعوها للناس، وعبادتها من وساوس الشيطان للذين سنوا سنن عبادتها، ومن وساوسه للناس الذين أطاعوهم في عبادتها، فمن عبد الأصنام فقد عبد الشيطان وكفى بذلك ضلالا معلوما. وهذا كقوله تعالى: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا وتقدم في سورة النساء [117] . وفي هذا تبغيض لعبادة الأصنام، لأن في قرارة نفوس الناس بغض الشيطان والحذر من كيده.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١١٦) ↗