البيانابحثاسألالموضوعات

سورة مريم · الآية ٤٣

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أجل الكتب وأفضلها وأعلاها، هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم، فإن ذكر فيه الأخبار، كانت أصدق الأخبار وأحقها، وإن ذكر فيه الأمر والنهي، كانت أجل الأوامر والنواهي، وأعدلها وأقسطها، وإن ذكر فيه الجزاء والوعد والوعيد، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة والعدل والفضل، وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون، كان المذكور فيه أكمل من غيره وأفضل، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله في هذه السورة جملة من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم، وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، فقال: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } جمع الله له بين الصديقية والنبوة. فالصديق: كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به، وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح الكامل، وإبراهيم عليه السلام، هو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال: { إذ قال لأبيه } مهجنا له عبادة الأوثان: { يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{يا أبت لا تعبد الشيطان} أي: لا تطعه (1) في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [يس: 60] وقال: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} [النساء: 117] وقوله: {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} أي: مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله. {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، {فتكون للشيطان وليا} (2) يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} [النحل: 63] . يقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] (3) فيما دعاه إليه أنه قال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} يعني: [إن كنت لا] (4) تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو (5) قوله: {لأرجمنك} ، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم. وقوله: {واهجرني مليا} : قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرا. وقال الحسن البصري: زمانا طويلا. وقال السدي: {واهجرني مليا} قال: أبدا. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: {واهجرني مليا} قال: سويا سالما، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجدلي و [أبو] (6) مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: {سلام عليك} كما قال تعالى في صفة المؤمنين: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] وقال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55] .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٣٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٥٠) ↗

التحرير والتنوير

وسفاهة حلمه، فإنه لو عبد حيا مميزا لكانت له شبهة ما. وابتدأ بالحجة الراجعة إلى الحس إذ قال له: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر فذلك حجة محسوسة، ثم أتبعها بقوله: ولا يغني عنك شيئا ، ثم انتقل إلى دفع ما يخالج عقل أبيه من النفور عن تلقي الإرشاد من ابنه بقوله: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا [مريم: 43] ، فلما قضى حق ذلك انتقل إلى تنبيهه على أن ما هو فيه أثر من وساوس الشيطان، ثم ألقى إليه حجة لاثقة بالمتصلبين في الضلال بقوله: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا [مريم: 45] ، أي إن الله أبلغ إليك الوعيد على لساني، فإن كنت لا تجزم بذلك فافرض وقوعه فإن أصنامك لم تتوعدك على أن تفارق عبادتها. وهذا كما في الشعر المنسوب إلى علي رضي الله عنه: زعم المنجم والطبيب كلاهما ... لا تحشر الأجسام قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما قال: وفي النداء بقوله: يا أبت أربع مرات تكرير اقتضاه مقام استنزاله إلى قبول الموعظة لأنها مقام إطناب. ونظر ذلك بتكرير لقمان قوله: يا بني [لقمان: 13- 16] ثلاث مرات، قال: بخلاف قول نوح لابنه: يا بني اركب معنا [هود: 42] مرة واحدة دون تكرير لأن ضيق المقام يقتضي الإيجاز وهذا من طرق الإعجاز» . انتهى كلامه بما يقارب لفظه. وأقول: الوجه ما بني عليه من أن الاستفهام مستعمل في حقيقته، كما أشار إليه صاحب «الكشاف» ، ومكنى به عن نفي العلة المسئول عنها بقوله: لم تعبد ، فهو كناية عن التعجيز عن إبداء المسئول عنه، فهو من التورية في معنيين يحتملهما الاستفهام.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١١٤) ↗