البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ٣٠

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: فلما تعلت مريم من نفاسها، أتت بعيسى قومها تحمله، وذلك لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها، فأتت غير مبالية ولا مكترثة، فقالوا: { لقد جئت شيئا فريا } أي: عظيما وخيما، وأرادوا بذلك البغاء، حاشاها من ذلك، { يأخت هارون } الظاهر، أنه أخ لها حقيقي، فنسبوها إليه، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء، وليس هو هارون بن عمران أخا موسى، لأن بينهما قرونا كثيرة، { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } أي: لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر، وخصوصا هذا الشر، الذي يشيرون إليه، وقصدهم: فكيف كنت على غير وصفهما؟ وأتيت بما لم يأتيا به؟. وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده، فتعجبوا - بحسب ما قام بقلوبهم - كيف وقع منها، فأشارت لهم إليه، أي: كلموه، وإنما أشارت لذلك، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها، أن، تقول: { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } فلما أشارت إليهم بتكليمه، تعجبوا من ذلك وقالوا: { كيف نكلم من كان في المهد صبيا } لأن ذلك لم تجر به عادة، ولا حصل من أحد في ذلك السن، فحينئذ قال عيسى عليه السلام، وهو في المهد صبي: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلها، أو ابنا للإله، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في قوله { إني عبد الله } ومدعون موافقته. { آتاني الكتاب } أي: قضى أن يؤتيني الكتب { وجعلني نبيا } فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره فقال: { وجعلني مباركا أين ما كنت } أي: في أي مكان، وأي: زمان، فالبركة جعلها الله في من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد به مصاحبه. { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } أي: أوصاني بالقيام بحقوقه، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

والعبادة والزهادة (1) ، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة (2) ، والسدي: قيل لها: {يا أخت هارون} أي: أخي موسى، وكانت من نسله (3) كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس (4) به في العبادة، والزهادة. وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم. حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني (5) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله عز وجل: {يا أخت هارون} قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون} [القصص: 11] وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه (6) ؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي (7) صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه (8) ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و (9) داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، عليهما السلام في قوله تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] فذكر القصة إلى أن قال: {وقتل داود جالوت} الآية [البقرة: 251] ، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] فأجابهم عيسى عنها فقال لهم {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30] . الآية حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] قال لهم: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30] فقرأ حتى بلغ {ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] فقالوا: إن هذا لأمر عظيم حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله} [مريم: 30] لم يتكلم عيسى إلا عند ذلك حين {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥٢٨) ↗

التحرير والتنوير

33] قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) كلام عيسى هذا مما أهملته أناجيل النصارى لأنهم طووا خبر وصولها إلى أهلها بعد وضعها، وهو طي يتعجب منه. ويدل على أنها كتبت في أحوال غير مضبوطة، فأطلع الله تعالى عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم. والابتداء بوصف العبودية لله ألقاه الله على لسان عيسى لأن الله علم بأن قوما سيقولون: أنه ابن الله. والتعبير عن إيتاء الكتاب بفعل المضي مراد به أن الله قدر إيتاءه إياه، أي قدر أن يوتيني الكتاب. والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن. والمراد بالكتاب الإنجيل وهو ما كتب من الوحي الذي خاطب الله به عيسى. ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فيكون الإيتاء إيتاء علم ما في التوراة كقوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12] فيكون قوله وجعلني نبيئا ارتقاء في المراتب التي آتاه الله إياها. والقول في التعبير عنه بالماضي كالقول في قوله وآتاني الكتاب.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٩٨) ↗