البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ١٦

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر قصة زكريا ويحيى، وكانت من الآيات العجيبة، انتقل منها إلى ما هو أعجب منها، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: { واذكر في الكتاب } الكريم { مريم } عليها السلام، وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل، أي: واذكر في الكتاب مريم، في حالها الحسنة، حين { انتبذت } أي: تباعدت عن أهلها { مكانا شرقيا } أي: مما يلي الشرق عنهم، { فاتخذت من دونهم حجابا } أي: سترا ومانعا، وهذا التباعد منها، واتخاذ الحجاب، لتعتزل، وتنفرد بعبادة ربها، وتقنت له في حالة الإخلاص والخضوع والذل لله تعالى، وذلك امتثال منها لقوله تعالى: وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين * يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين [آل عمران: 42-43] وقوله { فأرسلنآ إليهآ روحنا } وهو: جبريل عليه السلام { فتمثل لها بشرا سويا } أي: كاملا من الرجال، في صورة جميلة، وهيئة حسنة، لا عيب فيه ولا نقص، لكونها لا تحتمل رؤيته على ما هو عليه، فلما رأته في هذه الحال، وهي معتزلة عن أهلها، منفردة عن الناس، قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها وهم أهلها، خافت أن يكون رجلا قد تعرض لها بسوء، وطمع فيها، فاعتصمت بربها واستعاذت منه فقالت له: { إني أعوذ بالرحمن منك } أي ألتجئ به وأعتصم برحمته، أن تنالني بسوء، { إن كنت تقيا } أي: إن كنت تخاف الله، وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا أبلغ ما يكون من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه، وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي، وعدم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قادر (1) ، فقال: {واذكر في الكتاب مريم} وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في "آل عمران"، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم (2) مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا} [آل عمران: 37] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت (3) إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة (4) والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها-زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر (5) الشتاء في الصيف وثمر (6) الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في "آل عمران". فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة-أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. قال السدي: لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} قال: خرجت مريم مكانا شرقيا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى (7) {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} واتخذوا (8) ميلاد عيسى قبلة (9) وقال قتادة: {مكانا شرقيا} شاسعا متنحيا. وقال محمد بن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل PageEndV15P483 من النبذ، والنبذ: الطرح، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٨٢) ↗

التحرير والتنوير

وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداء أطوار: طور الورود على الدنيا، وطور الارتحال عنها، وطور الورود على الآخرة. وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال. والمراد باليوم مطلق الزمان الواقع فيه تلك الأحوال. وجيء بالفعل المضارع في ويوم يموت لاستحضار الحالة التي مات فيها، ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلا إجمالا. [16- 21] 21] واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) جملة واذكر في الكتاب مريم عطف على جملة ذكر رحمت ربك [مريم: 2] عطف القصة على القصة فلا يراعى حسن اتحاد الجملتين في الخبرية والإنشائية، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم. على أنك علمت أن الأحسن أن يكون قوله ذكر رحمت ربك عبده زكريا مصدرا وقع بدلا من فعله.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٧٨) ↗