سورة مريم · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره، ولهذا قال: { وآتيناه الحكم صبيا } أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه. { و } آتيناه أيضا { حنانا من لدنا } أي: رحمة ورأفة، تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله. { وزكاة } أي: طهارة من الآفات والذنوب، فطهر قلبه وتزكى عقله، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة، والأخلاق الرديئة، وزيادة الأخلاق الحسنة، والأوصاف المحمودة، ولهذا قال: { وكان تقيا } أي: فاعلا للمأمور، تاركا للمحظور، ومن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وكان من أهل الجنة التي أعدت للمتقين، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي، ما رتبه الله على التقوى. { و } كان أيضا { برا بوالديه } أي: لم يكن عاقا، ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل. { ولم يكن جبارا عصيا } أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا، مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها، فلهذا قال: { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال، ومن أهل دار السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا من أتباعهم، إنه جواد كريم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ١٢–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بعض الشر أهون من بعض (10) وقوله: {وزكاة} معطوف على {وحنانا} فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب. وقال قتادة: الزكاة (11) العمل الصالح. وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس: {وزكاة} [قال: بركة] (12) {وكان تقيا} طهر، فلم يعمل بذنب. وقوله: {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا} لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته (13) عقوقهما، قولا وفعلا [وأمرا] (14) ونهيا؛ ولهذا قال: {ولم يكن جبارا عصيا} ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا، يأتمر لما أمر PageEndV15P481 به، وينتهي عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٨٠) ↗التحرير والتنوير
وكذلك عطف بروره بوالديه على كونه تقيا للدلالة على تمكنه من هذا الوصف. والبرور: الإكرام والسعي في الطاعة. والبر- بفتح الباء- وصف على وزن المصدر، فالوصف به مبالغة. وأما البر- بكسر الباء- فهو اسم مصدر لعدم جريه على القياس. والجبار: المستخف بحقوق الناس، كأنه مشتق من الجبر، وهو القسر والغصب. لأنه يغصب حقوق الناس. والعصي: فعيل من أمثلة المبالغة، أي شديد العصيان، والمبالغة منصرفة إلى النفي لا إلى المنفي. أي لم يكن عاصيا بالمرة. وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) الأظهر أنه عطف على وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12] مخاطبا به المسلمون ليعلموا كرامة يحيى عند الله. والسلام: اسم للكلام الذي يفاتح به الزائر والراحل فيه ثناء أو دعاء. وسمي ذلك سلاما لأنه يشتمل على الدعاء بالسلامة ولأنه يؤذن بأن الذي أقدم هو عليه مسالم له لا يخشى منه بأسا. فالمراد هنا سلام من الله عليه، وهو ثناء الله عليه، كقوله سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] . فإذا عرف السلام باللام فالمراد به مثل المراد بالمنكر أو مراد به العهد، أي سلام إليه، كما سيأتي في السلام على عيسى. فالمعنى: أن إكرام الله متمكن من أحواله الثلاثة المذكورة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٧٧) ↗