سورة مريم · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره، ولهذا قال: { وآتيناه الحكم صبيا } أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه. { و } آتيناه أيضا { حنانا من لدنا } أي: رحمة ورأفة، تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله. { وزكاة } أي: طهارة من الآفات والذنوب، فطهر قلبه وتزكى عقله، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة، والأخلاق الرديئة، وزيادة الأخلاق الحسنة، والأوصاف المحمودة، ولهذا قال: { وكان تقيا } أي: فاعلا للمأمور، تاركا للمحظور، ومن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وكان من أهل الجنة التي أعدت للمتقين، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي، ما رتبه الله على التقوى. { و } كان أيضا { برا بوالديه } أي: لم يكن عاقا، ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل. { ولم يكن جبارا عصيا } أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا، مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها، فلهذا قال: { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال، ومن أهل دار السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا من أتباعهم، إنه جواد كريم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ١٢–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري (1) ما حنانا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: {وحنانا من لدنا} ، فقال: سألت عنها عباس، فلم يحر (2) فيها شيئا. والظاهر من هذا السياق أن: {وحنانا [من لدنا] } (3) معطوف على قوله: {وآتيناه الحكم صبيا} أي: وآتيناه الحكم وحنانا، {وزكاة} أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها. ومنه سميت المرأة "حنة" من الحنة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر (4) تحنن (5) علي هداك المليك %~% فإن لكل مقام مقالا وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس، رضي الله عنه، أن (6) رسول الله صلى الله عليه قال: "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان" (7) وقد يثني (8) ومنهم من يجعل ما ورد من (9) ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة: أنا منذر أفنيت فاستبق بعضنا %~% حنانيك بعض الشر أهون من بعض (10) وقوله: {وزكاة} معطوف على {وحنانا} فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب. وقال قتادة: الزكاة (11) العمل الصالح. وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس: {وزكاة} [قال: بركة] (12) {وكان تقيا} طهر، فلم يعمل بذنب. وقوله: {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا} لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته (13) عقوقهما، قولا وفعلا [وأمرا] (14) ونهيا؛ ولهذا قال: {ولم يكن جبارا عصيا} ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بجد. كما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال: بجد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني PageEndV15P474 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال: بجد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال ابن زيد في ذلك ما: حدثني به، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال: القوة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله قال أبو جعفر: وقد بينت معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا، في سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٧٤) ↗التحرير والتنوير
العبادة في الأمم السالفة، كما سيأتي في قوله تعالى: فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا [مريم: 26] . فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابنا يرث علمه، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابة دعوته، أو أنه أمرهم بذلك أمرا مبهما يفسره عند ما تزول حبسة لسانه. [12- 14] يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) مقول قول محذوف، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى، فلا محالة أنه صادر من قائل، ولا يناسب إلا أن يكون قولا من الله تعالى، وهو انتقال من البشارة به إلى نبوءته. والأظهر أن هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ما قيل لزكرياء. فهذا ابتداء ذكر فضائل يحيى. وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به. والسياق يدل عليه. والتقدير: قلنا يا يحيى خذ الكتاب. والكتاب: التوراة لا محالة، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزل عليه. والأخذ: مستعار للتفهم والتدبر، كما يقال: أخذت العلم عن فلان، لأن المعتنى بالشيء يشبه الآخذ. والقوة: المراد بها قوة معنوية، وهي العزيمة والثبات. والباء للملابسة، أي أخذا ملابسا للثبات على الكتاب، أي على العمل به وحمل الأمة على اتباعه، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل بدينها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٧٥) ↗