سورة مريم · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة ب " يحيى " وسماه الله له " يحيى " وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين، { لم نجعل له من قبل سميا } أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا، فيكون ذلك بشارة بكماله، واتصافه بالصفات الحميدة، وأنه فاق من قبله، ولكن على هذا الاحتمال، هذا العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم، وموسى، ونوح عليهم السلام، ونحوهم، ممن هو أفضل من يحيى قطعا، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه، استغرب وتعجب وقال: { رب أنى يكون لي غلام } والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: { كذلك قال ربك هو علي هين } أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا. { قال رب اجعل لي آية } أي: يطمئن بها قلبي، وليس هذا شكا في خبر الله، وإنما هو، كما قال الخليل عليه السلام: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] فطلب زيادة العلم، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين، فأجابه الله إلى طلبته رحمة به، ف { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } وفي الآية الأخرى ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا [آل عمران: 41] والمعنى واحد، لأنه تارة يعبر بالليالي، وتارة بالأيام ومؤداها واحد، وهذا من الآيات العجيبة، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة، بل كان سويا، لا نقص فيه، من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد، ومع هذا، ممنوع من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {ثلاث ليال سويا} من غير خرس. وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها {إلا رمزا} أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: {فخرج على قومه من المحراب} أي: الذي بشر فيه بالولد، {فأوحى إليهم} أي: أشار إشارة خفية سريعة: {أن سبحوا بكرة وعشيا} أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرا لله على ما أولاه. قال مجاهد: {فأوحى إليهم} أي: أشار. وبه قال وهب، وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: {فأوحى إليهم} أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي. وهذا أيضا تضمن (1) محذوفا، تقديره: أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى، عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي: تعلم الكتاب {بقوة} أي: بجد وحرص واجتهاد {وآتيناه الحكم صبيا} أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث [السن] (2) . قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقت (3) ، قال: فلهذا أنزل الله: {وآتيناه الحكم صبيا} . وقوله: {وحنانا من لدنا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وحنانا من لدنا} يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة: رحم بها زكريا. وقال مجاهد: {وحنانا من لدنا} وتعطفا من ربه عليه. وقال عكرمة: {وحنانا من لدنا} [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {فخرج على قومه من المحراب} [مريم: 11] قال: أشرف على قومه من المحراب قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المحراب فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فخرج PageEndV15P471 على قومه من المحراب} [مريم: 11] قال: المحراب: مصلاه، وقرأ: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} [آل عمران: 39]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٧٠) ↗التحرير والتنوير
وفسر أيضا سويا بأنه حال من ضمير المخاطب، أي حال كونك سويا، أي بدون عاهة الخرس والبكم، ولكنها آية لك اقتضتها الحكمة التي بيناها في سورة آل عمران. وعلى هذا فذكر الوصف لمجرد تأكيد الطمأنينة، وإلا فإن تأجيله بثلاث ليال كاف في الاطمئنان على انتفاء العاهة. [11] فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم. وضمن خرج معنى طلع فعدي ب على كقوله تعالى: فخرج على قومه في زينته [القصص: 79] . والمحراب: بيت أو محتجر يخصص للعبادة الخاصة. قال الحريري: فمحرابي أحرى بي. والوحي: الإشارة بالعين أو بغيرها، والإيماء لإفادة معنى شأنه أن يفاد بالكلام. و (أن) تفسيرية. وجملة سبحوا بكرة وعشيا تفسير (لأوحى) ، لأن (أوحى) فيه معنى القول دون حروفه. وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتا فيقتدوا به فيصمتوا، وكان الصمت من صنوف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٧٤) ↗