سورة الكهف · الآية ٩٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا، قاصدا مطلعها، متبعا للأسباب التي أعطاه الله، فوصل إلى مطلع الشمس ف { لشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } أي: وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس، إما لعدم استعدادهم في المساكن، وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، لا تغرب عنهم غروبا يذكر، كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي، فوصل إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض، فضلا عن وصولهم إياه بأبدانهم، ومع هذا، فكل هذا بتقدير الله له، وعلمه به، ولهذا قال: { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي: أحطنا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة وعلمنا معه، حيثما توجه وسار. { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين } قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق، قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان، كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا، لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. { فهل نجعل لك خرجا } أي جعلا { على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي، وهو: إفسادهم في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: { ما مكني فيه ربي خير } أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن ذي القرنين: {ثم أتبع سببا} أي: ثم سلك طريقا من مشارق الأرض. {حتى إذا بلغ بين السدين} وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم، عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين: "إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة؟ فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فيقال: إن فيكم أمتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج" (1) . وقد حكى النووي (2) ، رحمه الله، في شرح "مسلم" عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك (3) فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء. وهذا قول غريب جدا، [ثم] (4) لا دليل عليه لا من عقل ولا [من] (5) نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث (6) المفتعلة، والله أعلم. وفي مسند (7) الإمام أحمد، عن سمرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك" (8) . قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: [إنما (9) سموا هؤلاء تركا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من (10) هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة (11) . وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا عجيبا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] (12) وقصر بعضهم، وآذانهم (13) . وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح (14) أسانيدها، والله أعلم. وقوله: {وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا} [أي] (15) : لاستعجام كلامهم وبعدهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٩٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{حتى إذا بلغ بين السدين} [الكهف: 93] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٨٤) ↗التحرير والتنوير
وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) . هذه الجملة حال من الضمير المرفوع في ثم أتبع. وبما لديه: ما عنده من عظمة الملك من جند وقوة وثروة. والخبر- بضم الخاء وسكون الموحدة-: العلم والإحاطة بالخبر، كناية عن كون المعلوم عظيما بحيث لا يحيط به علما إلا علام الغيوب. [92- 98] 98] ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) السد- بضم السين وفتحها-: الجبل. ويطلق أيضا على الجدار الفاصل، لأنه يسد به الفضاء، وقيل: الضم في الجبل والفتح في الحاجز.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٣٠) ↗