سورة الكهف · الآية ٥٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب ورغب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسى ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلما من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ظلما من هذا، لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة الشر مع علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعتها، فليس في إمكانها الفقه الذي يصل إلى القلب، { وفي ءاذانهم وقرا } أي: صمما يمنعهم من وصول الآيات، ومن سماعها على وجه الانتفاع وإذا كانوا بهذه الحالة، فليس لهدايتهم سبيل، { وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس عالما، وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق حقا فتركوه، وطريق الضلال ضلالا فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه، أن يحال بينهم وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك، ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك. ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال: { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عنها، ولم يصغ (1) لها، ولا ألقى إليها بالا {ونسي ما قدمت يداه} أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة. {إنا جعلنا على قلوبهم} أي: قلوب هؤلاء {أكنة} أي: أغطية وغشاوة، {أن يفقهوه} أي: لئلا يفهموا (2) هذا القرآن والبيان، {وفي آذانهم وقرا} أي: صمم معنوي عن الرشاد، {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} . وقوله: {وربك الغفور ذو الرحمة} أي: ربك (3) -يا محمد-غفور ذو رحمة واسعة، {لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر:45] ، وقال: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد:6] . والآيات في هذا كثيرة. ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها؛ ولهذا قال: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل. وقوله: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم {وجعلنا لمهلكهم موعدا} أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت [معلوم] (4) معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول (5) وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر. سبب قول موسى [عليه السلام] (1) لفتاه -وهو يشوع بن نون-هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} أي لا أزال سائرا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٧٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يقول: فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد الذين لا يؤمنون بك أبدا موعدا، إذا جاءهم ذلك الموعد أهلكناهم سنتنا في الذين خلوا من قبلهم من ضربائهم، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، ح، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لمهلكهم موعدا} [الكهف: 59] قال: أجلا حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله واختلفت القراء في قراءة قوله {لمهلكهم} [الكهف: 59] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: (لمهلكهم) بضم الميم وفتح اللام على توجيه ذلك إلى أنه مصدر من أهلكوا إهلاكا. وقرأه عاصم: (لمهلكهم) بفتح الميم واللام إلى توجيهه إلى المصدر من هلكوا هلاكا ومهلكا. وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك قراءة من قرأه: «لمهلكهم» بضم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٠٦) ↗التحرير والتنوير
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) بعد أن أزيل غرورهم بتأخر العذاب، وأبطل ظنهم الإفلات منه ببيان أن ذلك إمهال من أثر رحمة الله بخلقه، ضرب لهم المثل في ذلك بحال أهل القرى السالفين الذين أخر عنهم العذاب مدة ثم لم ينجوا منه بأخرة، فالجملة معطوفة على جملة بل لهم موعد [الكهف: 58] . والإشارة ب «تلك» إلى مقدر في الذهن، وكاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة لا يراد به مخاطب ولكنها من تمام اسم الإشارة، وتجري على ما يناسب حال المخاطب بالإشارة من واحد أو أكثر، والعرب يعرفون ديار عاد وثمود ومدين ويسمعون بقوم لوط وقوم فرعون فكانت كالحاضرة حين الإشارة. والظلم: الشرك وتكذيب الرسل. والمهلك- بضم الميم وفتح اللام- مصدر ميمي من «أهلك» ، أي جعلنا لإهلاكنا إياهم وقتا معينا في علمنا إذا جاء حل بهم الهلاك. هذه قراءة الجمهور. وقرأه حفص عن عاصم- بفتح الميم وكسر اللام- على أنه اسم زمان على وزن مفعل. وقرأه أبو بكر عن عاصم- بفتح الميم وفتح اللام- على أنه مصدر ميمي لهلك. [60] وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) لما جرى ذكر قصة خلق آدم وأمر الله الملائكة بالسجود له، وما عرض للشيطان من الكبر والاعتزاز بعنصره جهلا بأسباب الفضائل ومكابرة في الاعتراف بها وحسدا في الشرف والفضل، فضرب بذلك مثلا لأهل الضلال عبيد الهوى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٥٨) ↗