سورة الكهف · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب ورغب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسى ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلما من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ظلما من هذا، لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة الشر مع علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعتها، فليس في إمكانها الفقه الذي يصل إلى القلب، { وفي ءاذانهم وقرا } أي: صمما يمنعهم من وصول الآيات، ومن سماعها على وجه الانتفاع وإذا كانوا بهذه الحالة، فليس لهدايتهم سبيل، { وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس عالما، وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق حقا فتركوه، وطريق الضلال ضلالا فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه، أن يحال بينهم وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك، ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك. ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال: { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عنها، ولم يصغ (1) لها، ولا ألقى إليها بالا {ونسي ما قدمت يداه} أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة. {إنا جعلنا على قلوبهم} أي: قلوب هؤلاء {أكنة} أي: أغطية وغشاوة، {أن يفقهوه} أي: لئلا يفهموا (2) هذا القرآن والبيان، {وفي آذانهم وقرا} أي: صمم معنوي عن الرشاد، {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} . وقوله: {وربك الغفور ذو الرحمة} أي: ربك (3) -يا محمد-غفور ذو رحمة واسعة، {لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر:45] ، وقال: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد:6] . والآيات في هذا كثيرة. ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها؛ ولهذا قال: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل. وقوله: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم {وجعلنا لمهلكهم موعدا} أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت [معلوم] (4) معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول (5) وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر. سبب قول موسى [عليه السلام] (1) لفتاه -وهو يشوع بن نون-هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} أي لا أزال سائرا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٧٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يؤاخذهم بما كسبوا} [الكهف: 58] هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام {لعجل لهم العذاب} [الكهف: 58] ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم {بل لهم موعد} [الكهف: 58] يقول: لكن لهم موعد، وذلك ميقات محل عذابهم، وهو يوم بدر {لن يجدوا من دونه مؤئلا} . يقول تعالى ذكره: لن يجد هؤلاء المشركون، وإن لم يعجل لهم العذاب في الدنيا من دون الموعد الذي جعلته ميقاتا لعذابهم، مما يلجئون إليه، ومنجى ينجون معه، يعني أنهم لا يجدون معقلا يعتقلون به من عذاب الله، يقال منه: وألت من كذا إلى كذا، أئل وءولا، مثل وعولا، ومنه قول الشاعر: [البحر السريع] لا واءلت نفسك خليتها %~% للعامريين ولم تكلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٠٤) ↗التحرير والتنوير
وجملة وإن تدعهم إلى الهدى عطف على جملة إنا جعلنا على قلوبهم، وهي متفرعة عليها، ولكنها لم تعطف بالفاء لأن المقصود جعل ذلك في الإخبار المستقل. وأكد نفي اهتدائهم بحرف توكيد النفي وهو (لن) ، وبلفظ (أبدا) المؤكد لمعنى (لن) ، وبحرف الجزاء المفيد تسبب الجواب على الشرط. وإنما حصل معنى الجزاء باعتبار تفرع جملة الشرط على جملة الاستئناف البياني، أي ذلك مسبب على فطر قلوبهم على عدم قبول الحق. [58] 58] وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) جرى القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس، فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض بالتذكير بالمغفرة لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم إمهالا للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون، موجها الخطاب إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم مفتتحا باستحضار الجلالة بعنوان الربوبية للنبيء صلى الله عليه وآله وسلم إيماء إلى أن مضمون الخبر تكريم له، كقوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] . والوجه في نظم الآية أن يكون الغفور نعتا للمبتدأ ويكون ذو الرحمة هو الخبر لأنه المناسب للمقام ولما بعده من جملة لو يؤاخذهم، فيكون ذكر الغفور إدماجا في خلال المقصود. فخص بالذكر من أسماء الله تعالى اسم الغفور تعريضا بالترغيب في الاستغفار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٥٦) ↗