البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الكهف · الآية ٤

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

الحمد لله هو الثناء عليه بصفاته، التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وأجل نعمه على الإطلاق، إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم، ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مشتملين، على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما نفي العوج عنه، وإثبات أنه قيم مستقيم، فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث، وإثبات الاستقامة يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار، التي تملأ القلوب معرفة وإيمانا وعقلا، كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس، وتطهرها وتنميها وتكملها، لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له. وحقيق بكتاب موصوف بما ذكر، أن يحمد الله نفسه على إنزاله، وأن يتمدح إلى عباده به. وقوله { لينذر بأسا شديدا من لدنه } أي: لينذر بهذا القرآن الكريم، عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاه، على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضا من نعمه، أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم. كما قال تعالى - لما ذكر في هذا القرآن وصف النار - قال: ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون [الزمر: 16]. فمن رحمته بعباده، أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف أمره، وبينها لهم، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها. { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } أي: وأنزل الله على عبده الكتاب، ليبشر المؤمنين به، وبرسله، وكتبه، الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي الأعمال الصالحة، من واجب ومستحب، التي جمعت الإخلاص والمتابعة، { أن لهم أجرا حسنا } وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل الصالح، وأعظمه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

نعبد الملائكة، وهم بنات الله. {ما لهم به من علم} أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم {ولا لآبائهم} أي: أسلافهم. {كبرت كلمة} : نصب على التمييز، تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمة. وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلا قاله بعض البصريين. وقرأ ذلك بعض قراء مكة: {كبرت كلمة} كما يقال: عظم قولك، وكبر (1) شأنك. والمعنى على قراءة الجمهور أظهر؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم (2) واستعظام لإفكهم؛ ولهذا قال: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال: {إن يقولون إلا كذبا} . وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألوا أحبار يهود (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم (4) أمره وبعض قوله، وقالا (5) إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالت لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنهم (6) قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه (7) ؟ [وسلوه عن الروح، ما هو؟] (8) فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف: 4] يعني قريشا في قولهم: إنما نعبد الملائكة، وهن بنات الله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٤٧) ↗

التحرير والتنوير

أو تنزيلا للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذر به وهو البأس الشديد تهويلا له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله. والبأس: الشدة في الألم. ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو. وقد تقدم في قوله تعالى: والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس من سورة البقرة [177] . والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري. وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي. وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علة لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار علل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضها ويترك بعض. وإنما آثرت الحمل على جعل اليأس الشديد بأس الدنيا للنقصي مما يرد على إعادة فعل وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] كما سيأتي. ويجوز أن يراد بالبأس عذاب الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: من لدنه مستعملا في حقيقته. وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين. ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من لدنه في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه. وحذف مفعول لينذر لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: ويبشر المؤمنين.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٤٩) ↗