سورة الكهف · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم، أي: قد تبين الهدى من الضلال، والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة، وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بينه الله على لسان رسوله، فإذا بان واتضح، ولم يبق فيه شبهة { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة: 256] وليس في قوله: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: { إنا أعتدنا للظالمين } بالكفر والفسوق والعصيان { نارا أحاط بهم سرادقها } أي: سورها المحيط بها، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها، تصلاهم النار الحامية. { وإن يستغيثوا } أي: يطلبوا الشراب، ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد. { يغاثوا بمآء كالمهل } أي: كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته. { يشوي الوجوه } أي: فكيف بالأمعاء والبطون، كما قال تعالى يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد [الحج: 20-21]. { بئس الشراب } الذي يراد ليطفئ العطش، ويدفع بعض العذاب، فيكون زيادة في عذابهم، وشدة عقابهم. { وسآءت } النار { مرتفقا } وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل، الذي يرتفق به، فإنها ليست فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون، قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم في العذاب كما نسوه. ثم ذكر الفريق الثاني فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. كما قال تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100] ، وقال تعالى: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم} [الأنفال: 37] ، وقال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الآية] (1) [الروم: 39] . وقال ابن جرير: في قوله: {يمحق الله الربا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "الربا وإن كثر فإلى قل". وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج [قال] (2) حدثنا شريك عن الركين بن الربيع [بن عميلة الفزاري] (3) عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل" (4) وقد رواه ابن ماجه، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة" (5) . وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو (6) سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري، حدثني أبو يحيى -رجل (7) من أهل مكة -عن فروخ مولى عثمان: أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين -خرج إلى المسجد، فرأى طعاما منثورا. فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا. قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين، إنه قد احتكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر. فأرسل إليهما فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا يا أمير المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيع!! فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وغير ذلك من سائر شرائع دينه، وعملوا الصالحات التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي ندبهم إليها وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها، وأدوها بسننها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الربا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم، لهم أجرهم، يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصدقتهم عند ربهم يوم حاجتهم إليه في معادهم، ولا خوف عليهم يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم من أكل ما كانوا أكلوا من الربا بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده، ولا هم يحزنون على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٤٨) ↗التحرير والتنوير
وقيل قوله: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم [الكهف: 28] الآيتين نزلتا بالمدينة، وقيل قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا [الكهف: 107] إلى آخر السورة نزل بالمدينة. وكل ذلك ضعيف كما سيأتي التنبيه عليه في مواضعه. نزلت بعد سورة الغاشية وقبل سورة الشورى. وهي الثامنة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد. وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة. وهي من السور التي نزلت جملة واحدة. روى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قال: «نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة» . وقد أغفل هذا صاحب «الإتقان» . عدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا، وفي عدد قراء الشام مائة وستا، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة، وفي عد قراء الكوفة مائة وعشرا، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين. وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون سند، وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول: أن المشركين لما أهمهم أمر النبيء صلى الله عليه وآله وسلم وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته، بعثوا النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة (يثرب) يسألونهم رأيهم في دعوته، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه، قالوا: فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء (أي صفاتهم وعلاماتهم) علم ليس عندنا، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبيء صلى الله عليه وآله وسلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٤٢) ↗