سورة الكهف · الآية ١٦
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال بعضهم لبعض، إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم، فلم يبق إلا النجاء من شرهم، والتسبب بالأسباب المفضية لذلك، لأنهم لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم، وهم على غير دينهم، { لله فأووا إلى الكهف } أي: انضموا إليه واختفوا فيه { ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا } وفيما تقدم، أخبر أنهم دعوه بقولهم: ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا [الكهف: 10] فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكهف ١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية -وهم الشباب-وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وعسوا (1) في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا. وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا (2) أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. قال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة يعني: الحلق فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم. فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو. {وزدناهم هدى} : استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره (3) ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: {وزدناهم هدى} كما قال {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد:17] ، (4) وقال: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} [التوبة:124] ، وقال {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح:4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وقد ذكر (5) أنهم كانوا على دين عيسى ابن مريم، عليه السلام، والله أعلم -والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنه (6) لو كانوا على دين النصرانية، لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم، لمباينتهم لهم. وقد تقدم عن ابن عباس: أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم. وقوله: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الكهف: 16] يقول: وإذا اعتزلتم قومكم الذين يعبدون من الآلهة سوى الله، ف «ما» إذ كان ذلك PageEndV15P182 معناه في موضع نصب عطفا لها على الهاء، والميم التي في قوله {وإذ اعتزلتموهم} [الكهف: 16] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٨١) ↗التحرير والتنوير
16] وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) يتعين أن يكون هذا من كلام بعضهم لبعض على سبيل النصح والمشورة الصائبة. وليس يلزم في حكاية أقوال القائلين أن تكون المحكيات كلها صادرة في وقت واحد، فيجوز أن يكونوا قال بعضهم لبعض ذلك بعد اليأس من ارعواء قومهم عن فتنتهم في مقام آخر. ويجوز أن يكون ذلك في نفس المقام الذي خاطبوا فيه قومهم بأن غيروا الخطاب من مواجهة قومهم إلى مواجهة بعضهم بعضا، وهو ضرب من الالتفات. فعلى الوجه الأول يكون فعل اعتزلتموهم مستعملا في إرادة الفعل مثل إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] ، وعلى الوجه الثاني يكون الاعتزال قد حصل فيما بين مقام خطابهم قومهم وبين مخاطبة بعضهم بعضا. وعلى الاحتمالين فالقرآن اقتصر في حكاية أقوالهم على المقصد الأهم منها في الدلالة على ثباتهم دون ما سوى ذلك مما لا أثر له في الغرض وإنما هو مجرد قصص. و «إذ» للظرفية المجازية بمعنى التعليل. والاعتزال: التباعد والانفراد عن مخالطة الشيء، فمعنى اعتزال القوم ترك مخالطتهم. ومعنى اعتزال ما يعبدون: التباعد عن عبادة الأصنام. والاستثناء في قوله: إلا الله منقطع لأن الله تعالى لم يكن يعبده القوم. والفاء للتفريع على جملة وإذ اعتزلتموهم باعتبار إفادتها معنى: اعتزلتم دينهم اعتزالا اعتقاديا، فيقدر بعدها جملة نحو: اعتزلوهم اعتزال مفارقة فأووا إلى الكهف، أو يقدر: وإذ اعتزلتم دينهم يعذبونكم فأووا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٧٦) ↗