البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٩٤

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي: نوعنا فيه المواعظ والأمثال، وثنينا فيه المعاني التي يضطر إليها العباد، لأجل أن يتذكروا ويتقوا، فلم يتذكر إلا القليل منهم، الذين سبقت لهم من الله سابقة السعادة، وأعانهم الله بتوفيقه، وأما أكثر الناس فأبوا إلا كفورا لهذه النعمة التي هي أكبر من جميع النعم، وجعلوا يتعنتون عليه [باقتراح] آيات غير آياته، يخترعونها من تلقاء أنفسهم الظالمة الجاهلة. فيقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أتى بهذا القرآن المشتمل على كل برهان وآية: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } أي: أنهارا جارية. { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب } فتستغني بها عن المشي في الأسواق والذهاب والمجيء. { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا } أي: قطعا من العذاب، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: جميعا، أو مقابلة ومعاينة، يشهدون لك بما جئت به. { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: مزخرف بالذهب وغيره { أو ترقى في السمآء } رقيا حسيا، { و } ومع هذا ف { لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه }. ولما كانت هذه تعنتات وتعجيزات، وكلام أسفه الناس وأظلمهم، المتضمنة لرد الحق وسوء الأدب مع الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يأتي بالآيات، أمره الله أن ينزهه فقال: { قل سبحان ربي } عما تقولون علوا كبيرا، وسبحانه أن تكون أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة، وآرائهم الضالة. { هل كنت إلا بشرا رسولا } ليس بيده شيء من الأمر. وهذا السبب الذي منع أكثر الناس من الإيمان، حيث كانت الرسل التي ترسل إليهم من جنسهم بشرا. وهذا من رحمته بهم، أن أرسل إليهم بشرا منهم، فإنهم لا يطيقون التلقي من الملائكة. فلو { كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين } يثبتون على رؤية الملائكة والتلقي عنهم { لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا } ليمكنهم التلقي عنه. { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى عن تمرد (1) الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات [والآثار] (2) والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا، كما قال أولئك لنبيهم: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء:187] ، وآخرون قالوا: {ائتنا (3) بعذاب الله إن كنت من الصادقين} [العنكبوت:29] ، وقالت قريش: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال:32] ، {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر:7، 6] إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك] (4) . ثم قال: {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، {أو يأتيهم العذاب قبلا} أي: يرونه عيانا مواجهة [ومقابلة] (5) ، ثم قال: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} أي: قبل العذاب مبشرين (6) من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين (7) من كذبهم وخالفهم. ثم أخبر عن الكفار بأنهم يجادلون بالباطل {ليدحضوا به} أي: ليضعفوا به {الحق} الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم. {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث (8) بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب {هزوا} أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب. يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم (9) ممن ذكر بآيات الله (10) فأعرض عنها، أي: تناساها وأعرض

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٧٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ما جئتهم به، إلا قولهم جهلا منهم {أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 94] فأن الأولى في موضع نصب بوقوع منع عليها، والثانية في موضع رفع، لأن الفعل لها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٩١) ↗

التحرير والتنوير

تقدم في طالع هذه السورة، ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا، أي لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها. وقرأ الجمهور قل بصيغة فعل الأمر. وقرأه ابن كثير، وابن عامر قال بألف بعد القاف بصيغة الماضي- على أنه حكاية لجواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن قولهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا على طريقة الالتفات. [94، 95] وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) بعد أن عدت أشكال عنادهم ومظاهر تكذيبهم أعقبت ببيان العلة الأصلية التي تبعث على الجحود في جميع الأمم وهي توهمهم استحالة أن يبعث الله للناس برسالة بشرا مثلهم. فذلك التوهم هو مثار ما يأتونه من المعاذير، فالذين هذا أصل معتقدهم لا يرجى منهم أن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وما قصدهم من مختلف المقترحات إلا إرضاء أوهامهم بالتنصل من الدخول في الدين، فلو أتاهم الرسول بما سألوه لانتقلوا فقالوا: إن ذلك سحر، أو قلوبنا غلف، أو نحو ذلك. ومع ما في هذا من بيان أصل كفرهم هو أيضا رد بالخصوص لقولهم: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا [الإسراء: 92] ورد لقولهم: أو ترقى في السماء [الإسراء: 93] إلى آخره.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢١١) ↗