البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٦٢

﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان، وحرصه على إضلالهم، وأنه لما خلق الله آدم، استكبر عن السجود له، و { قال } متكبرا: { أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه، لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قال } مخاطبا لله: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، ولأغوينهم { إلا قليلا } عرف الخبيث، أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذهب فمن تبعك منهم } واختارك على ربه ووليه الحق، { فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي: مدخرا لكم، موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم، فقال: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين، الداعي لهم إلى معصية الله، بأقواله وأفعاله. { وشاركهم في الأموال والأولاد } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقها، أو وضعها بغير حقها، أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين، أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد، ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك، شارك فيه الشيطان، كما ورد فيه الحديث. { وعدهم } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها، ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا مضمحلا، كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة، ويعدهم عليها الأجر، لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يذكر تعالى عداوة إبليس -لعنه الله -لآدم، عليه السلام، وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمرالملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له؛ افتخارا عليه واحتقارا له {قال أأسجد لمن خلقت طينا} كما قال في الآية الأخرى: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] . وقال أيضا: {أرأيتك} ، يقول للرب جراءة وكفرا، والرب يحلم (1) وينظر {قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلا. وقال مجاهد: لأحتوين. وقال ابن زيد: لأضلنهم. وكلها متقاربة، والمعنى: أنه يقول: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي، لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم. لما سأل إبليس [عليه اللعنة] (2) النظرة قال الله له: {اذهب} فقد أنظرتك. كما قال في الآية الأخرى: {قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 37، 38] ثم أوعده ومن تبعه من ذرية آدم جهنم، فقال: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أي: على أعمالكم {جزاء موفورا} قال مجاهد: وافرا. وقال قتادة: موفرا عليكم، لا ينقص لكم منه. وقوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك. وقال ابن عباس في قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قال: كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل، وقال قتادة، واختاره ابن جرير.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٩٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المشركين في غيهم وارتدادهم عتوا على ربهم بتخويفه إياهم تحقيقهم قول عدوهم وعدو والدهم، حين أمره ربه بالسجود له فعصاه وأبى السجود له، حسدا واستكبارا {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء: 62] وكيف صدقوا ظنه فيهم، وخالفوا أمر ربهم وطاعته، واتبعوا أمر عدوهم وعدو والدهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٥٣) ↗

التحرير والتنوير

وقد اختير الفعل المضارع في نخوفهم ويزيدهم لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم. والكبير: مستعار لمعنى الشديد القوي في نوع الطغيان. وقد تقدم عند قوله تعالى: قل قتال فيه كبير في سورة البقرة [217] . [61، 62] 62] وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) عطف على جملة وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60] أي واذكر إذ قلنا للملائكة. والمقصود من هذا هو تذكير النبيء صلى الله عليه وسلم بما لقي الأنبياء قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله. وأنهم لا يعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة زمانهم كما كانت الملائكة نحو آدم- عليه السلام-، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمت إلى أحد الفريقين الذي في عهد آدم، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون، كما أومأ إليه قوله تعالى: قال اذهب فمن تبعك منهم [الإسراء: 63] الآية، ففي ذلك تسلية للنبيء- عليه الصلاة والسلام-. فأمر الله نبيئه بأن يذكر ذلك يتضمن تذكيره إياه به، وذكر النبيء ذلك موعظة للناس بحال الفريقين لينظر العاقل أين يضع نفسه. وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها. والاستفهام في أأسجد إنكار، أي لا يكون.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٤٩) ↗