سورة الإسراء · الآية ٦١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان، وحرصه على إضلالهم، وأنه لما خلق الله آدم، استكبر عن السجود له، و { قال } متكبرا: { أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه، لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قال } مخاطبا لله: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، ولأغوينهم { إلا قليلا } عرف الخبيث، أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذهب فمن تبعك منهم } واختارك على ربه ووليه الحق، { فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي: مدخرا لكم، موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم، فقال: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين، الداعي لهم إلى معصية الله، بأقواله وأفعاله. { وشاركهم في الأموال والأولاد } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقها، أو وضعها بغير حقها، أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين، أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد، ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك، شارك فيه الشيطان، كما ورد فيه الحديث. { وعدهم } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها، ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا مضمحلا، كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة، ويعدهم عليها الأجر، لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بمصمت. قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من (1) دبره، ويخرج من فيه. ثم يقول: لست شيئا -للصلصلة-ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: {وكان (2) الإنسان عجولا} قال: ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله. فقال [الله] (3) له: "يرحمك الله يا آدم (4) ". قال ثم قال [الله] (5) تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني (6) من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته، ثم علم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء {إن كنتم صادقين} إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة. قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم قالوا: سبحانك، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، وتبنا إليك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} تبريا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٥٣٤) ↗التحرير والتنوير
وقد اختير الفعل المضارع في نخوفهم ويزيدهم لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم. والكبير: مستعار لمعنى الشديد القوي في نوع الطغيان. وقد تقدم عند قوله تعالى: قل قتال فيه كبير في سورة البقرة [217] . [61، 62] 62] وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) عطف على جملة وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60] أي واذكر إذ قلنا للملائكة. والمقصود من هذا هو تذكير النبيء صلى الله عليه وسلم بما لقي الأنبياء قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله. وأنهم لا يعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة زمانهم كما كانت الملائكة نحو آدم- عليه السلام-، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمت إلى أحد الفريقين الذي في عهد آدم، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون، كما أومأ إليه قوله تعالى: قال اذهب فمن تبعك منهم [الإسراء: 63] الآية، ففي ذلك تسلية للنبيء- عليه الصلاة والسلام-. فأمر الله نبيئه بأن يذكر ذلك يتضمن تذكيره إياه به، وذكر النبيء ذلك موعظة للناس بحال الفريقين لينظر العاقل أين يضع نفسه. وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها. والاستفهام في أأسجد إنكار، أي لا يكون.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٤٩) ↗