البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٥٠

﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث، وتكذيبهم به، واستبعادهم بقولهم: { أءذا كنا عظاما ورفاتا } أي: أجسادا بالية، { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون ذلك، وهو محال بزعمهم، فجهلوا أشد الجهل، حيث كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، وقاسوا قدرة خالق السماوات والأرض بقدرتهم الضعيفة العاجزة، فلما رأوا أن هذا ممتنع عليهم لا يقدرون عليه، جعلوا قدرة الله كذلك. فسبحان من جعل خلقا من خلقه، يزعمون أنهم أولو العقول والألباب، مثالا في جهل أظهر الأشياء وأجلاها، وأوضحها براهين وأعلاها، ليرى عباده أنه ما ثم إلا توفيقه وإعانته، أو الهلاك والضلال. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران: 8]. ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعادا: { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } لتسلموا بذلك على زعمكم، من أن تنالكم قدرة الله، أو تنفذ فيكم مشيئته، فإنكم غير معجزي الله، في أي حالة تكونون، وعلى أي وصف تتحولون، وليس لكم في أنفسكم تدبير في حالة الحياة وبعد الممات. فدعوا التدبير والتصريف لمن هو على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. { فسيقولون } حين تقيم عليهم الحجة في البعث: { من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فكما فطركم، ولم تكونوا شيئا مذكورا، فإنه سيعيدكم خلقا جديدا كما بدأنآ أول خلق نعيده [الأنبياء: 104]. { فسينغضون إليك رؤوسهم } أي: يهزونها، إنكارا وتعجبا مما قلت، { ويقولون متى هو } أي: متى وقت البعث الذي تزعمه على قولك؟ لا إقرارا منهم لأصل البعث، بل ذلك سفه منهم وتعجيز. { قل عسى أن يكون قريبا } فليس في تعيين وقته فائدة، وإنما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته، وإلا فكل ما هو آت فإنه قريب. { يوم يدعوكم } للبعث والنشور، وينفخ في الصور، { فتستجيبون بحمده } أي: تنقادون لأمره، ولا تستعصون عليه. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وهكذا أمر رسوله ههنا (1) أن يجيبهم فقال: {قل كونوا حجارة أو حديدا} وهما (2) أشد امتناعا من العظام والرفات {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت. وروى عطية، عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والضحاك. ومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو (3) صرتم موتا الذي هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع (4) عليه شيء إذا أراده. وقد ذكر بن جرير [هاهنا] (5) حديث: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. ثم يقال: يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت" (6) . وقال مجاهد: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} يعني: السماء والأرض والجبال. وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم. وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك، عن الزهري في قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قال: النبي صلى الله عليه وسلم، قال مالك: ويقولون: هو الموت. وقوله [تعالى] (7) {فسيقولون من يعيدنا} أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا {قل الذي فطركم أول مرة} أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . وقوله [تعالى] (8) : {فسينغضون إليك رءوسهم} : قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء. وهذا الذي قالاه هو الذي تفهمه العرب من لغاتها؛ لأن (9) الإنغاض هو: التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم -وهو ولد النعامة -: نغضا؛ لأنه إذا مشى عجل (10) في مشيته وحرك رأسه. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بعد الممات من قومك القائلين {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} : كونوا إن عجبتم من إنشاء الله إياكم وإعادته أجسامكم، خلقا جديدا بعد بلاكم في التراب، ومصيركم رفاتا، وأنكرتم ذلك من قدرته حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم إن قدرتم على ذلك، فإني أحييكم وأبعثكم خلقا جديدا بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أول مرة. واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] فقال بعضهم: عنى به الموت، وأريد به: أو كونوا الموت، فإنكم إن

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦١٥) ↗

التحرير والتنوير

والرفات: الأشياء المرفوتة، أي المفتتة. يقال: رفت الشيء إذا كسره كسرا دقيقة. ووزن فعال يدل على مفعول أفعال التجزئة مثل الدقاق والحطام والجذاذ والفتات. وخلقا جديدا حال من ضمير «مبعوثون» . وذكر الحال لتصوير استحالة البعث بعد الفناء لأن البعث هو الإحياء، فإحياء العظام والرفات محال عندهم، وكونهم خلقا جديدا أدخل في الاستحالة. والخلق: مصدر بمعنى المفعول، ولكونه مصدرا لم يتبع موصوفه في الجمع. [50- 52] قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) جواب عن قولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا [الإسراء: 49] . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بذلك. وقرينة ذلك مقابلة فعل كنا [الإسراء: 49] في مقالهم بقوله: كونوا، ومقابلة عظاما ورفاتا في مقالهم بقوله: حجارة أو حديدا إلخ، مقابلة أجسام واهية بأجسام صلبة. ومعنى الجواب أن وهن الجسم مساو لصلابته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى على تكييفه كيف يشاء.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٢٤) ↗