سورة الإسراء · الآية ٤٩
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث، وتكذيبهم به، واستبعادهم بقولهم: { أءذا كنا عظاما ورفاتا } أي: أجسادا بالية، { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون ذلك، وهو محال بزعمهم، فجهلوا أشد الجهل، حيث كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، وقاسوا قدرة خالق السماوات والأرض بقدرتهم الضعيفة العاجزة، فلما رأوا أن هذا ممتنع عليهم لا يقدرون عليه، جعلوا قدرة الله كذلك. فسبحان من جعل خلقا من خلقه، يزعمون أنهم أولو العقول والألباب، مثالا في جهل أظهر الأشياء وأجلاها، وأوضحها براهين وأعلاها، ليرى عباده أنه ما ثم إلا توفيقه وإعانته، أو الهلاك والضلال. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران: 8]. ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعادا: { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } لتسلموا بذلك على زعمكم، من أن تنالكم قدرة الله، أو تنفذ فيكم مشيئته، فإنكم غير معجزي الله، في أي حالة تكونون، وعلى أي وصف تتحولون، وليس لكم في أنفسكم تدبير في حالة الحياة وبعد الممات. فدعوا التدبير والتصريف لمن هو على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. { فسيقولون } حين تقيم عليهم الحجة في البعث: { من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فكما فطركم، ولم تكونوا شيئا مذكورا، فإنه سيعيدكم خلقا جديدا كما بدأنآ أول خلق نعيده [الأنبياء: 104]. { فسينغضون إليك رؤوسهم } أي: يهزونها، إنكارا وتعجبا مما قلت، { ويقولون متى هو } أي: متى وقت البعث الذي تزعمه على قولك؟ لا إقرارا منهم لأصل البعث، بل ذلك سفه منهم وتعجيز. { قل عسى أن يكون قريبا } فليس في تعيين وقته فائدة، وإنما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته، وإلا فكل ما هو آت فإنه قريب. { يوم يدعوكم } للبعث والنشور، وينفخ في الصور، { فتستجيبون بحمده } أي: تنقادون لأمره، ولا تستعصون عليه. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) يجوز أن يكون جملة وقالوا معطوفة على جملة قل لو كان معه آلهة كما تقولون [الإسراء: 42] باعتبار ما تشتمل عليه من قوله: كما تقولون لقصد استئصال ضلالة أخرى من ضلالاتهم بالحجة الدامغة، بعد استئصال التي قبلها بالحجة القاطعة بقوله قل لو كان معه آلهة كما تقولون الآية وما بينهما بمنزلة الاعتراض. ويجوز أن تكون عطفا على جملة إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا [الإسراء: 47] التي مضمونها مظروف للنجوى، فيكون هذا القول مما تناجوا به بينهم، ثم يجهرون بإعلانه ويعدونه حجتهم على التكذيب. والاستفهام إنكاري. وتقديم الظرف من قوله: أإذا كنا عظاما للاهتمام به لأن مضمونه هو دليل الاستحالة في ظنهم، فالإنكار متسلط على جملة أإنا لمبعوثون. وقوة إنكار ذلك مقيد بحالة الكون عظاما ورفاتا، وأصل تركيب الجملة: أإنا لمبعوثون إذا كنا عظاما ورفاتا. وليس المقصود من الظرف التقييد، لأن الكون عظاما ورفاتا ثابت لكل من يموت فيبعث. والبعث: الإرسال. وأطلق هنا على إحياء الموتى، لأن الميت يشبه الماكث في عدم مبارحة مكانه. والعظام: جمع عظم، وهو ما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب. ومعنى كنا عظاما أنهم عظام لا لحم عليها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٢٣) ↗