سورة الإسراء · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وآت ذا القربى حقه } من البر والإكرام، الواجب والمسنون، وذلك الحق، يتفاوت بتفاوت الأحوال، والأقارب، والحاجة وعدمها، والأزمنة. { والمسكين } آته حقه من الزكاة ومن غيرها، لتزول مسكنته، { وابن السبيل } وهو الغريب المنقطع به عن بلده، فيعطي الجميع من المال، على وجه لا يضر المعطي، ولا يكون زائدا على المقدار اللائق، فإن ذلك تبذير، قد نهى الله عنه وأخبر: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى، إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67]. وقال هنا: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } كناية عن شدة الإمساك والبخل. { ولا تبسطها كل البسط } فتنفق فيما لا ينبغي، أو زيادة على ما ينبغي. { فتقعد } إن فعلت ذلك { ملوما } أي: تلام على ما فعلت { محسورا } أي: حاسر اليد فارغها، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى، مع القدرة والغنى، فأما مع العدم، أو تعسر النفقة الحاضرة، فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر، ترجو فيه من الله تيسير الأمر. { فقل لهم قولا ميسورا } أي: لطيفا برفق، ووعد بالجميل، عند سنوح الفرصة، واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر، لينقلبوا عنك مطمئنة خواطرهم، كما قال تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى [البقرة: 263]. وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد، أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه، لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر، عبادة حاضرة، لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أنفق مدا في غير حقه كان تبذيرا. وقال قتادة: التبذير: النفقة (2) في معصية الله تعالى، وفي غير الحق وفي الفساد. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال، عن أنس بن مالك أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخرج الزكاة من مالك، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين (3) ". فقال: يا رسول الله، أقلل (4) لي؟ فقال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} فقال: (5) : حسبي يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها" (6) . وقوله [تعالى] (7) {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته؛ ولهذا قال: {وكان الشيطان لربه كفورا} أي: جحودا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته. وقوله [تعالى] (8) {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} أي: وإذا سألك أقاربك ومن أمرنا بإعطائهم وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة {فقل لهم قولا ميسورا} أي: عدهم وعدا بسهولة، ولين إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله {فقل لهم قولا ميسورا} بالوعد: مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة وغير واحد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٦٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ثناؤه عباده بصلتها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٦٢) ↗التحرير والتنوير
[26، 27] وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل. القرابة كلها متشعبة عن الأبوة فلا جرم انتقل من الكلام على حقوق الأبوين إلى الكلام على حقوق القرابة. وللقرابة حقان: حق الصلة، وحق المواساة. وقد جمعهما جنس الحق في قوله حقه. والحوالة فيه على ما هو معروف وعلى أدلة أخرى. والخطاب لغير معين مثل قوله: إما يبلغن عندك الكبر [الإسراء: 23] . والعدول عن الخطاب بالجمع في قوله: ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين [الإسراء: 25] الآية إلى الخطاب بالإفراد بقوله: وآت ذا القربى تفنن لتجنب كراهة إعادة الصيغة الواحدة عدة مرات، والمخاطب غير معين فهو في معنى الجمع. والجملة معطوفة على جملة ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] لأنها من جملة ما قضى الله به. والإيتاء: الإعطاء. وهو حقيقة في إعطاء الأشياء، ومجاز شائع في التمكين من الأمور المعنوية كحسن المعاملة والنصرة. ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها» الحديث. وإطلاق الإيتاء هنا صالح للمعنيين كما هي طريقة القرآن في توفير المعاني وإيجاز الألفاظ. وقد بينت أدلة شرعية حقوق ذي القربى ومراتبها: من واجبة مثل بعض النفقة على بعض القرابة مبينة شروطها عند الفقهاء، ومن غير واجبة مثل الإحسان. وليس لهاته تعلق بحقوق قرابة النبيء صلى الله عليه وسلم لأن حقوقهم في المال تقررت بعد الهجرة لما فرضت الزكاة وشرعت المغانم والأفياء وقسمتها. ولذلك حمل جمهور العلماء هذه الآية على حقوق قرابة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٧٦) ↗