سورة الإسراء · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما نهى تعالى عن الشرك به، أمر بالتوحيد، فقال: { وقضى ربك } قضاء دينيا، وأمر أمرا شرعيا { ألا تعبدوا } أحدا من أهل الأرض والسماوات الأحياء والأموات. { إلا إياه } لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعظمها، على وجه لا يشبهه أحد من خلقه، وهو المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، الدافع لجميع النقم، الخالق، الرازق المدبر لجميع الأمور، فهو المتفرد بذلك كله، وغيره ليس له من ذلك شيء. ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين، فقال: { وبالوالدين إحسانا } أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان، القولي والفعلي، لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه، والقرب، ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر. { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } أي: إذا وصلا إلى هذا السن، الذي تضعف فيه قواهما، ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف. { فلا تقل لهمآ أف } وهذا أدنى مراتب الأذى، نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية. { ولا تنهرهما } أي: تزجرهما، وتتكلم لهما كلاما خشنا، { وقل لهما قولا كريما } بلفظ يحبانه، وتأدب وتلطف، بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما، وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان. { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } أي: تواضع لهما، ذلا لهما ورحمة، واحتسابا للأجر، لا لأجل الخوف منهما، أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. { وقل رب ارحمهما } أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا. وفهم من هذا، أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه، تربية صالحة غير الأبوين، فإن له على من رباه حق التربية.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٢٣–٢٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس: ثم أنزل الله [تعالى] (1) : {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] . وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: "آمين آمين آمين": فقالوا: يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: "أتاني جبريل فقال: يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين. فقلت آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين" (2) . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى، عن مالك بن الحارث -رجل منهم -أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ (3) مسلما كان فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منه عضوا منه". ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد -فذكر معناه، إلا أنه قال: عن رجل من قومه يقال له: مالك أو ابن مالك، وزاد: "ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار، فأبعده الله" (4) . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى (5) عن مالك بن عمرو القشيري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، مكان كل عظم من عظامه محرره بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله عز وجل، ومن ضم يتيما بين (6) أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله، وجبت له الجنة" (7) . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة، عن قتادة سمعت زرارة بن أوفى (8) يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال: قال النبي صلى الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٥٠) ↗التحرير والتنوير
وأما خذلانه فلأنه اتخذ لنفسه وليا لا يغني عنه شيئا إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم [فاطر 14] ، وقال إبراهيم- عليه السلام- يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [مريم: 42] ، وخذلانه من الله لأنه لا يتولى من لا يتولاه قال: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: 11] وقال وما دعاء الكافرين إلا في ضلال [غافر: 50] . [23، 24] . وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. عطف على الكلام السابق عطف غرض على غرض تخلصا إلى أعمدة من شريعة الإسلام بمناسبة الفذلكة المتقدمة تنبيها على أن إصلاح الأعمال متفرع على نبذ الشرك كما قال تعالى: فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 13- 17] . وقد ابتدئ تشريع للمسلمين أحكاما عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ليزدادوا يقينا بارتفاعهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم، وفي جميعها تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين في المنهيات. وهذه الآيات أول تفصيل للشريعة للمسلمين وقع بمكة، وأن ما ذكر في هذه الآيات مقصود به تعليم المسلمين. ولذلك اختلف أسلوبه عن أسلوب نظيره في سورة الأنعام الذي وجه فيه الخطاب إلى المشركين لتوقيفهم على قواعد ضلالتهم. فمن الاختلاف بين الأسلوبين أن هذه الآية افتتحت بفعل القضاء المقتضي الإلزام، وهو مناسب لخطاب أمة تمتثل أمر ربها، وافتتح خطاب سورة الأنعام [151] ب تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم كما تقدم هنالك. ومنها أن هذه الآية جعلت المقضي هو توحيد الله بالعبادة، لأنه المناسب لحال المسلمين فحذرهم من عبادة غير الله. وآية الأنعام جعلت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗