سورة الإسراء · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة، ويستأصلها بالعذاب، أمر مترفيها أمرا قدريا، ففسقوا فيها، واشتد طغيانهم، { فحق عليها القول } أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها { فدمرناها تدميرا }. وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب، من بعد قوم نوح، كعاد وثمود، وقوم لوط، وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر بغيهم، واشتد كفرهم، أنزل [الله] بهم عقابه العظيم. { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } فلا يخافوا منه ظلما، وأنه يعاقبهم على ما عملوه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٦–١٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت: إنما يجيء هذا (1) على قراءة من قرأ "أمرنا مترفيها" قال علي بن طلحة، عن ابن عباس قوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم (2) بالعذاب، وهو قوله: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} [الأنعام: 123] ، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس. وقال العوفي عن ابن عباس: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} يقول: أكثرنا عددهم، وكذا قال عكرمة، والحسن، والضحاك، وقتادة، وعن مالك عن الزهري: {أمرنا مترفيها} : أكثرنا. وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتابه "الغريب": المأمورة: كثيرة النسل. والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبا كقوله: "مأزورات غير مأجورات" (3) . يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على (4) أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله (5) ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة (6) قرون كلهم على الإسلام. ومعناه: أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله [تعالى] (7) {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} أي: هو عالم بجميع أعمالهم، خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية [سبحانه وتعالى] (8) . يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فإن الأغلب من تأويله: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله، وخلافهم أمره، كذلك تأوله كثير ممن قرأه كذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٢٧) ↗التحرير والتنوير
وقد جاء في القرآن ما يومىء إلى أن المتسبب لأحد في هدي ينال من ثواب المهتدي قال تعالى: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير» . ومن التخليط توهم أن حمل الدية في قتل الخطأ على العاقلة مناف لهذه الآية، فإن ذلك فرع قاعدة أخرى وهي قاعدة التعاون والمواساة وليست من حمل التبعات. وتزر تحمل الوزر، وهو الثقل. والوازرة: الحاملة، وتأنيثها باعتبار أنها نفس لقوله قبله من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [فصلت: 46] . وأطلق عليها وازرة على معنى الفرض والتقدير، أي لو قدرت نفس ذات وزر لا تزاد على وزرها وزر غيرها، فعلم أن النفس التي لا وزر لها لا تزر وزر غيرها بالأولى. والوزر: الإثم لتشبيهه بالحمل الثقيل لما يجره من التعب لصاحبه في الآخرة، كما أطلق عليه الثقل، قال تعالى: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13] . وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا عطف على آية من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه الآية. وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: وما كنا معذبين دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد. والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها [الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٥١) ↗