سورة الإسراء · الآية ١١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
بقول تعالى لعباده: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } أي: أيهما شئتم. { أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى } أي: ليس له اسم غير حسن، حتى ينهى عن دعائه به، أي: اسم دعوتموه به، حصل به المقصود، والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب، مما يناسب ذلك الاسم. { ولا تجهر بصلاتك } أي: قراءتك { ولا تخافت بها } فإن في كل من الأمرين محذورا. أما الجهر، فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه سبوه، وسبوا من جاء به. وأما المخافتة، فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء. { وابتغ بين ذلك } أي: بين الجهر والإخفات { سبيلا } أي: تتوسط فيما بينهما. { وقل الحمد لله } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل آفة ونقص. { الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } بل الملك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي، كلهم مملوكون لله، ليس لأحد من الملك شيء. { ولم يكن له ولي من الذل } أي: لا يتولى أحدا من خلقه ليتعزز به ويعاونه، فإنه الغني الحميد، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات، في الأرض ولا في السماوات، ولكنه يتخذ أولياء إحسانا منه إليهم ورحمة بهم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]. { وكبره تكبيرا } أي: عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة، وبالثناء عليه، بأسمائه الحسنى، وبتمجيده بأفعاله المقدسة، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١١٠–١١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك {وابتغ بين ذلك سبيلا} . أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به (1) وكذا روى (2) الضحاك عن ابن عباس، وزاد: "فلما هاجر إلى المدينة، سقط ذلك، يفعل أي ذلك شاء" (3) . وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع (4) من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع (5) ، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع (6) ، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم (7) لم يستمع الذين (8) يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله {ولا تجهر بصلاتك} فيتفرقوا عنك {ولا تخافت بها} فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به {وابتغ بين ذلك سبيلا} وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة. وقال شعبة عن أشعث بن أبي سليم (9) عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود: لم يخافت بها من أسمع أذنيه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان. قيل أحسنت. فلما نزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا (10) . وقال أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء. وهكذا روى الثوري، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: نزلت في الدعاء. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أن يكون له ولد {ولم يكن له شريك في الملك} [الإسراء: 111] فيكون عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفا، ولا يكون إلها من يكون محتاجا إلى معين على ما حاول، ولم يكن منفردا بالملك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٣٧) ↗التحرير والتنوير
وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) لما كان النهي عن الجهر بالدعاء أو قراءة الصلاة سدا لذريعة زيادة تصميمهم على الكفر أعقب ذلك بأمره بإعلان التوحيد لقطع دابر توهم من توهموا أن الرحمان اسم لمسمى غير مسمى اسم الله، فبعضهم توهمه إلها شريكا، وبعضهم توهمه معينا وناصرا، أمر النبيء بأن يقول ما يقلع ذلك كله وأن يعظمه بأنواع من التعظيم. وجملة الحمد لله تقتضي تخصيصه تعالى بالحمد، أي قصر جنس الحمد عليه تعالى لأنه أعظم مستحق لأن يحمد. فالتخصيص ادعائي بادعاء أن دواعي حمد غير الله تعالى في جانب دواعي حمد الله بمنزلة العدم، كما تقدم في سورة الفاتحة. و (من) في قوله: من الذل بمعنى لام التعليل. والذل: العجز والافتقار، وهو ضد العز، أي ليس له ناصر من أجل الذل. والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. ويجوز تضمين (الولي) معنى (المانع) فتكون (من) لتعدية الاسم المضمن معناه. ومعنى كبره اعتقد أنه كبير، أي عظيم العظم المعنوي الشامل لوجوب الوجود والغنى المطلق، وصفات الكمال كلها الكاملة التعلقات، لأن الاتصاف بذلك كله كمال، والاتصاف بأضداد ذلك نقص وصغار معنوي.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٣٩) ↗