سورة الإسراء · الآية ١١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
بقول تعالى لعباده: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } أي: أيهما شئتم. { أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى } أي: ليس له اسم غير حسن، حتى ينهى عن دعائه به، أي: اسم دعوتموه به، حصل به المقصود، والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب، مما يناسب ذلك الاسم. { ولا تجهر بصلاتك } أي: قراءتك { ولا تخافت بها } فإن في كل من الأمرين محذورا. أما الجهر، فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه سبوه، وسبوا من جاء به. وأما المخافتة، فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء. { وابتغ بين ذلك } أي: بين الجهر والإخفات { سبيلا } أي: تتوسط فيما بينهما. { وقل الحمد لله } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل آفة ونقص. { الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } بل الملك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي، كلهم مملوكون لله، ليس لأحد من الملك شيء. { ولم يكن له ولي من الذل } أي: لا يتولى أحدا من خلقه ليتعزز به ويعاونه، فإنه الغني الحميد، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات، في الأرض ولا في السماوات، ولكنه يتخذ أولياء إحسانا منه إليهم ورحمة بهم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]. { وكبره تكبيرا } أي: عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة، وبالثناء عليه، بأسمائه الحسنى، وبتمجيده بأفعاله المقدسة، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١١٠–١١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك {وابتغ بين ذلك سبيلا} . أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به (1) وكذا روى (2) الضحاك عن ابن عباس، وزاد: "فلما هاجر إلى المدينة، سقط ذلك، يفعل أي ذلك شاء" (3) . وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع (4) من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع (5) ، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع (6) ، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم (7) لم يستمع الذين (8) يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله {ولا تجهر بصلاتك} فيتفرقوا عنك {ولا تخافت بها} فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به {وابتغ بين ذلك سبيلا} وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة. وقال شعبة عن أشعث بن أبي سليم (9) عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود: لم يخافت بها من أسمع أذنيه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان. قيل أحسنت. فلما نزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا (10) . وقال أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء. وهكذا روى الثوري، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: نزلت في الدعاء. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] بأي أسمائه جل جلاله تدعون ربكم، فإنما تدعون واحدا، وله الأسماء الحسنى. وإنما قيل ذلك له صلى الله عليه وسلم، لأن المشركين فيما ذكر سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: يا ربنا الله، ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فأنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام هذه الآية احتجاجا لنبيه عليهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٢٣) ↗التحرير والتنوير
وقوله: ويخرون للأذقان يبكون تكرير للجملة باختلاف الحال المقترنة بها، أعيدت الجملة تمهيدا لذكر الحال. وقد يقع التكرير مع العطف لأجل اختلاف القيود، فتكون تلك المغايرة مصححة العطف، كقول مرة بن عداء الفقعسي: فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب فالخرور المحكي بالجملة الثانية هو الخرور الأول، وإنما خروا خرورا واحدا ساجدين باكين، فذكر مرتين اهتماما بما صحبه من علامات الخشوع. وذكر يبكون بصيغة المضارع لاستحضار الحالة. والبكاء بكاء فرح وبهجة. والبكاء: يحصل من انفعال باطني ناشىء عن حزن أو عن خوف أو عن شوق. ويزيدهم القرآن خشوعا على خشوعهم الذي كان لهم من سماع كتابهم. ومن السنة سجود القارئ والمستمع له بقصد هذه الآية اقتداء بأولئك الساجدين بحيث لا يذكر المسلم سجود أهل الكتاب عند سماع القرآن إلا وهو يرى نفسه أجدر بالسجود عند تلاوة القرآن. [110] 110] قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى لا شك أن لنزول هذه الآية سببا خاصا إذ لا موجب لذكر هذا التخيير بين دعاء الله تعالى باسمه العلم وبين دعائه بصفة الرحمان خاصة دون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٣٥) ↗