سورة الإسراء · الآية ١٠٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لست أيها الرسول المؤيد بالآيات، أول رسول كذبه الناس، فلقد أرسلنا قبلك موسى ابن عمران الكليم، إلى فرعون وقومه، وآتيناه { تسع آيات بينات } كل واحدة منها تكفي لمن قصده اتباع الحق، كالحية، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والرجز، وفلق البحر. فإن شككت في شيء من ذلك { فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم فقال له فرعون } مع هذه الآيات { إني لأظنك يموسى مسحورا }. ف { قال } له موسى { لقد علمت } يا فرعون { مآ أنزل هؤلاء } الآيات { إلا رب السموت والأرض بصآئر } منه لعباده، فليس قولك هذا بالحقيقة، وإنما قلت ذلك ترويجا على قومك، واستخفافا لهم. { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } أي: ممقوتا، ملقى في العذاب، لك الويل والذم واللعنة. { فأراد } فرعون { أن يستفزهم من الأرض } أن: يجليهم ويخرجهم منها. { فأغرقناه ومن معه جميعا } وأورثنا بني إسرائيل أرضهم وديارهم. ولهذا قال: { وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا } أي: جميعا، ليجازى كل عامل بعمله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٠١–١٠٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، وما نجعت (1) فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك (2) سألوا، وقالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى -وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات-: (إني لأظنك يا موسى مسحورا) قيل: بمعنى ساحر. والله تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين} [النمل: 10 -12] . فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في "سورة الأعراف" وفصلها. وقد أوتي موسى، عليه السلام، آيات أخر كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. فأما الحديث الذي رواه الإمام [أحمد] (3) : حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة (4) يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي، رضي الله عنه، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي [صلى الله عليه وسلم] (5) حتى نسأله عن هذه الآية: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) فقال: لا تقل له: نبي فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{جميعا} [البقرة: 29] . ونجينا موسى وبني إسرائيل، وقلنا لهم من بعد هلاك فرعون {اسكنوا الأرض} [الإسراء: 104] أرض الشام {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} [الإسراء: 104] يقول: فإذا جاءت الساعة، وهي وعد الآخرة، جئنا بكم لفيفا: يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفا: أي مختلطين قد التف بعضكم على بعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه، من قولك: لففت الجيوش: إذا ضربت بعضها ببعض، فاختلط الجميع، وكذلك كل شيء خلط بشيء فقد لف به.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١١١) ↗التحرير والتنوير
وجاء في جواب موسى- عليه السلام- لفرعون بمثل ما شافهه فرعون به من قوله: إني لأظنك يا موسى مسحورا مقارعة له وإظهارا لكونه لا يخافه وأنه يعامله معاملة المثل قال تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] . [103، 104] فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) أكملت قصة المثل بما فيه تعريض بتمثيل الحالين إنذارا للمشركين بأن عاقبة مكرهم وكيدهم ومحاولاتهم صائرة إلى ما صار إليه مكر فرعون وكيده، ففرع على تمثيل حالي الرسالتين وحالي المرسل إليهما ذكر عاقبة الحالة الممثل بها نذارة للممثلين بذلك المصير. فقد أضمر المشركون إخراج النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة، فمثلت إرادتهم بإرادة فرعون إخراج موسى وبني إسرائيل من مصر، قال تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا [الإسراء: 76] . والاستفزاز: الاستخفاف، وهو كناية عن الإبعاد. وتقدم عند قوله تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض في هذه السورة [الإسراء: 76] . والمراد بمن معه جنده الذين خرجوا معه يتبعون بني إسرائيل. والأرض الأولى هي المعهودة وهي أرض مصر، والأرض الثانية أرض الشام وهي المعهودة لبني إسرائيل بوعد الله إبراهيم إياها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٢٨) ↗