سورة الإسراء · الآية ١٠
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه { يهدي للتي هي أقوم } أي: أعدل وأعلى، من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره. { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات } من الواجبات والسنن، { أن لهم أجرا كبيرا } أعده الله لهم في دار كرامته، لا يعلم وصفه إلا هو. { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة، وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة، وهو الإيمان، والعمل الصالح، والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٩–١٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال منكرا على الكافرين من قريش: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} أي: أفهم (1) لا يعرفون محمدا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم، أفيقدرون (2) على إنكار ذلك والمباهتة فيه؟ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك. وقوله: {أم يقولون به جنة} يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقول (3) القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنونا لا يدري ما يقول. وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن، فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين؛ ولهذا قال: {بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون} يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حال كراهة (4) أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له: "أسلم" فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "وإن كنت كارها". وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له: "أسلم" فتصعده (5) ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله: "أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت متبعه (6) ؟ " قال: نعم. فقال: "فوالذي (7) نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك لو دعيت إليه". وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ويسدد من اهتدى به {للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها PageEndV14P511 من السبل، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام. يقول جل ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به، كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] قال: للتي هي أصوب: هو الصواب وهو الحق، قال: والمخالف هو الباطل وقرأ قول الله تعالى: {فيها كتب قيمة} [البينة: 3] قال: فيها الحق ليس فيها عوج. وقرأ {ولم يجعل له عوجا، قيما} [الكهف: 2] يقول: قيما مستقيما
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥١١) ↗التحرير والتنوير
وجملة وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا عطف على جملة عسى ربكم أن يرحمكم لإفادة أن ما ذكر قبله من عقاب إنما هو عقاب دنيوي وأن وراءه عقاب الآخرة. وفيه معنى التذييل لأن التعريف في للكافرين يعم المخاطبين وغيرهم. ويومىء هذا إلى أن عقابهم في الدنيا ليس مقصورا على ذنوب الكفر بل هو منوط بالإفساد في الأرض وتعدي حدود الشريعة. وأما الكفر بتكذيب الرسل فقد حصل في المرة الآخرة فإنهم كذبوا عيسى، وأما في المرة الأولى فلم تأتهم رسل ولكنهم قتلوا الأنبياء مثل أشعياء، وأرمياء، وقتل الأنبياء كفر. والحصير: المكان الذي يحصر فيه فلا يستطاع الخروج منه، فهو إما فعيل بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول على تقدير متعلق، أي محصور فيه. [9، 10] إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الغرض الأهم من هذه السورة وهو تأييد النبيء صلى الله عليه وسلم بالآيات والمعجزات، وإيتاؤه الآيات التي أعظمها آية القرآن كما قدمناه عند قوله تعالى: وآتينا موسى الكتاب [الإسراء: 2] . وأعقب ذلك بذكر ما أنزل على بني إسرائيل من الكتب للهدى والتحذير، وما نالهم من جراء مخالفتهم ما أمرهم الله به، ومن عدولهم عن سنن أسلافهم من عهد نوح. وفي ذلك فائدة التحذير من وقوع المسلمين فيما وقع فيه بنو إسرائيل، وهي الفائدة العظمى من ذكر قصص القرآن، وهي فائدة التاريخ.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣٩) ↗