سورة النحل · الآية ٩٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان، لأجل متاع الدنيا وحطامها، فقال: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } تنالونه بالنقض وعدم الوفاء { إنما عند الله } من الثواب العاجل والآجل لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله { هو خير لكم } من حطام الدنيا الزائلة { إن كنتم تعلمون }. فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الذي عندكم ولو كثر جدا، لا بد أن { ينفد } ويفنى، { وما عند الله باق } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس، وهذا كقوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 16-17] وما عند الله خير للأبرار [آل عمران: 198] وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا. خصوصا الزهد المتعين، وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد، ويوجب له الاشتغال عما أوجب الله عليه، وتقديمه على حق الله، فإن هذا الزهد واجب. ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا، وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين [وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر، ونحوها، بل لا يكون العبد زاهدا زهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع]. { ولنجزين الذين صبروا } على طاعة الله، وعن معصيته، وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة فقال: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالا صالحة، إلا بالإيمان، والإيمان مقتض لها، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
كنتم تعلمون ما عندكم ينفد} أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه، {وما عند الله باق} أي: وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول، {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قسم من الرب عز وجل (1) متلقى باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها. هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا -وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه (2) من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله -بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه (3) بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ووهب بن منبه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنها (4) السعادة. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي (5) العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه". ورواه مسلم، من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به (6) وروى الترمذي والنسائي، من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي (7) عن فضالة بن عبيد؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع (8) به". وقال
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦٠١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من عاقدتم مؤكديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضا من الدنيا قليلا، ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به يثبكم الله على الوفاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك هو خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ما بين العوضين اللذين أحدهما الثمن القليل الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به. ثم بين تعالى ذكره فرق ما بين العوضين وفضل ما بين الثوابين، فقال: ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا وإن كثر فنافد فان، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فان، فلما عنده فاعملوا، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٤٩) ↗التحرير والتنوير
وقوله تعالى: ولكم عذاب عظيم هو عذاب الآخرة على الرجوع إلى الكفر أو على معصية غدر العهد. وقد عصم الله المسلمين من الارتداد مدة مقام النبيء صلى الله عليه وسلم بمكة. وما ارتد أحد إلا بعد الهجرة حين ظهر النفاق، فكانت فلتة عبد الله بن سعد بن أبي سرح واحدة في المهاجرين وقد تاب وقبل توبته النبيء صلى الله عليه وسلم. [95، 96] ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) الثمن القليل هو ما يعدهم به المشركون إن رجعوا عن الإسلام من مال وهناء عيش. وهذا نهي عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم في الإسلام من منافع عند قوم الشرك، وبهذا الاعتبار عطفت هذه الجملة على جملة ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [سورة النحل: 91] وعلى جملة ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم [سورة النحل: 94] لأن كل جملة منها تلتفت إلى غرض خاص مما قد يبعث على النقض. والثمن: العوض الذي يأخذه المعاوض. وتقدم الكلام على نظير هذا عند قوله تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون في سورة البقرة [41] . وذكرنا هناك أن قليلا صفة كاشفة وليست مقيدة، أي أن كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات. وجملة إنما عند الله هو خير لكم تعليل للنهي باعتبار وصف عوض الاشتراء المنهي عنه بالقلة، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم قدره.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٧٠) ↗