البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٩٤

﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { ولا تتخذوا أيمانكم } وعهودكم ومواثيقكم تبعا لأهوائكم، متى شئتم وفيتم بها، ومتى شئتم نقضتموها، فإنكم إذا فعلتم ذلك، تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم، { وتذوقوا السوء } أي: العذاب الذي يسوءكم ويحزنكم { بما صددتم عن سبيل الله } حيث ضللتم وأضللتم غيركم { ولكم عذاب عظيم } مضاعف.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٩٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

كنتم تعلمون ما عندكم ينفد} أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه، {وما عند الله باق} أي: وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول، {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قسم من الرب عز وجل (1) متلقى باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها. هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا -وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه (2) من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله -بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه (3) بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ووهب بن منبه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنها (4) السعادة. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي (5) العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه". ورواه مسلم، من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به (6) وروى الترمذي والنسائي، من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي (7) عن فضالة بن عبيد؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع (8) به". وقال

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦٠١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

كنتم من الهلاك آمنين وإنما هذا مثل لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة، وما أشبه ذلك: «زلت قدمه» ، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] سيمنع منك السبق إن كنت سابقا %~% وتلطع إن زلت بك النعلان وقوله: {وتذوقوا السوء} [النحل: 94] يقول: وتذوقوا أنتم السوء، وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذب به أهل معاصيه في الدنيا، وذلك بعض ما عذب به أهل الكفر. {بما صددتم عن سبيل الله} [النحل: 94] يقول: بما فتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان. {ولكم عذاب عظيم} [النحل: 94] في الآخرة، وذلك نار جهنم وهذه الآية تدل على أن تأويل بريدة الذي ذكرنا عنه في قوله: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] والآيات التي بعدها، أنه عني بذلك: الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، عن مفارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٤٨) ↗

التحرير والتنوير

ولتسألن عما كنتم تعملون مؤكدا بتأكيدين كما تقدم نظيره آنفا، أي عما تعملون من عمل ضلال أو عمل هدى. والسؤال: كنية عن المحاسبة، لأنه سؤال حكيم تترتب عليه الإنارة وليس سؤال استطلاع. [94] ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) لما حذرهم من النقض الذي يؤول إلى اتخاذ أيمانهم دخلا فيهم، وأشار بالإجمال إلى ما في ذلك من الفساد فيهم، أعاد الكرة إلى بيان عاقبة ذلك الصنيع إعادة تفيد التصريح بالنهي عن ذلك، وتأكيد التحذير، وتفصيل الفساد في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة، فكان قوله تعالى: ولا تتخذوا تصريحا بالنهي، وقوله تعالى: تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم تأكيدا لقوله قبله: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم [سورة النحل: 92] ، وكان تفريع قوله تعالى: فتزل قدم إلى قوله: عن سبيل الله تفصيلا لما أجمل في معنى الدخل. وقوله تعالى: ولكم عذاب عظيم المعطوف على التفريع وعيد بعقاب الآخرة. وبهذا التصدير وهذا التفريع الناشئ عن جملة ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فارقت هذه نظيرتها السابقة بالتفصيل والزيادة فحق أن تعطف عليها لهذه المغايرة وإن كان شأن الجملة المؤكدة أن لا تعطف. والزلل: تزلق الرجل وتنقلها من موضعها دون إرادة صاحبها بسبب ملاسة الأرض من طين رطب أو تخلخل حصى أو حجر من تحت القدم فيسقط الماشي على الأرض. وتقدم عند قوله تعالى: فأزلهما الشيطان عنها في سورة البقرة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٦٨) ↗