سورة النحل · الآية ٧
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بها العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال، ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: { تعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة، والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات [والأرض]، ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: { خلق الإنسان من نطفة } لم يزل يدبرها، ويرقيها وينميها، حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فإذا هو خصيم مبين } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول، وما أنعم الله عليه به، من النعم، فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور، حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال، التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها. { والأنعام خلقها لكم } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فيها دفء } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب، والفرش، والبيوت. { و } لكم فيها { منافع } غير ذلك { ومنها تأكلون } { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } أي: في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، { وتحمل أثقالكم } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 12 -14] . قال ابن عباس: {لكم فيها دفء} أي: ثياب، والمنافع: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {دفء ومنافع} نسل كل دابة. وقال مجاهد: {لكم فيها دفء} قال: لباس ينسج، ومنافع تركب، ولحم ولبن. وقال قتادة: {دفء ومنافع} يقول: لكم فيها لباس، ومنفعة، وبلغة. وكذا قال غير واحد من المفسرين، بألفاظ متقاربة. هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده، يمتن به عليهم، وهو: الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر استدل من استدل من العلماء -ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل -بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة، رحمه الله (1) ومن وافقه من الفقهاء (2) ؛ لأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير، وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة، أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} فهذه للأكل، {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} فهذه للركوب (3) . وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره، عن ابن عباس، بمثله. وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة (4) رضي الله عنه (5) أيضا، واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد، رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إلى مراحها ومنازلها التي تأوي إليها، ولذلك سمي المكان المراح، لأنها تراح إليه عشيا فتأوي إليه، يقال منه: أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة. وقوله: {وحين تسرحون} [النحل: 6] يقول: وفي وقت إخراجكموها غدوة من مراحها إلى مسارحها، يقال منه: سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحا، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسرحت الماشية: إذا خرجت للمرعى تسرح سرحا وسروحا، فالسرح بالغداة والإراحة بالعشي، ومنه قول الشاعر: [البحر الطويل] كأن بقايا الأتن فوق متونه %~% مدب الدبى فوق النقا وهو سارح
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٦٨) ↗التحرير والتنوير
: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم [سورة الحجر: 77- 78] . والإتيان بحرف (إذا) المفاجأة استعارة تبعية. استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتب الشيء على غير ما يظن أن يترتب عليه. وهذا معنى لم يوضع له حرف. ولا مفاجأة بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فجأ أحدا، ولكن المعنى أنه بحيث لو تدبر الناظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأه ذلك. ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفجأة للمتكلم به تعين أن تكون المفاجأة استعارة تبعية. فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهما أمرين هما: التعجيب من تطور الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعم عليه. فالجملة في حد ذاتها تنويه، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب. ولو قيل: فهو خصيم أو فكان خصيما لم يحصل هذا المعنى البليغ. [5- 7] والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) يجوز أن يعطف الأنعام عطف المفرد على المفرد عطفا على الإنسان [سورة النحل: 4] ، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعام، وهي أيضا مخلوقة من نطفة، فيحصل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠٣) ↗