سورة النحل · الآية ٦٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن المشركين { ويجعلون لله ما يكرهون } من البنات، ومن الأوصاف القبيحة، وهو الشرك، بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات التي هي عبيد لله، فكما أنهم يكرهون، ولا يرضون أن يكون عبيدهم - وهم مخلوقون من جنسهم - شركاء لهم فيما رزقهم الله، فكيف يجعلون له شركاء من عبيده؟!! { و } هم مع هذه الإساءة العظيمة { تصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } أي: أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، رد عليهم بقوله: { لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } مقدمون إليها، ماكثون فيها، غير خارجين منها أبدا. بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه ليس هو أول رسول كذب فقال [تعالى]: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } رسلا يدعونهم إلى التوحيد، { فزين لهم الشيطان أعمالهم } فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه، هو الحق المنجي من كل مكروه، وأن ما دعت إليه الرسل فهو بخلاف ذلك، فلما زين لهم الشيطان أعمالهم، صار وليهم في الدنيا، فأطاعوه واتبعوه، وتولوه. أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] { ولهم عذاب أليم } في الآخرة حيث تولوا عن ولاية الرحمن، ورضوا بولاية الشيطان، فاستحقوا لذلك عذاب الهوان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٦٢–٦٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] ، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] ، وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [النحل: 64] . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (1) يعني: السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل (2) القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي، رحمه الله (3) وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد برأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله" (4) وهذا الحديث في المساند (5) والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فتعرفهم الصواب منه، والحق من الباطل، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها. وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203] يقول: وهدى بيانا من الضلالة، يعني بذلك الكتاب، {ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 52] به، فيصدقون بما فيه،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٦٨) ↗التحرير والتنوير
على زعمهم أن لهم الحسنى. ويكون في الكلام شبه الاحتباك. والتقدير: لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فكان وليهم حينئذ، وهو ولي المشركين اليوم يزين لهم أعمالهم كما كان ولي من قبلهم. وقوله: اليوم مستعمل في زمان معهود بعهد الحضور، أي فهو وليهم الآن. وهو كناية عن استمرار ولايته لهم إلى زمن المتكلم مطلقا بدون قصد، لما يدل عليه لفظه من الوقت الذي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وهو منصوب على الظرفية للزمان الحاضر. وأصله: اليوم الحاضر، وهو اليوم الذي أنت فيه. وتقدم عند قوله تعالى: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم في سورة العقود [3] . ولا يستعمل في يوم مضى معرفا باللام إلا بعد اسم الإشارة، نحو: ذلك اليوم، أو مثل: يومئذ. [64] 64] وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) عطف على جملة القسم. والمناسبة أن القرآن أنزل لإتمام الهداية وكشف الشبهات التي عرضت للأمم الماضية والحاضرة فتركت أمثالها في العرب وغيرهم. فلما ذكرت ضلالاتهم وشبهاتهم عقب ذلك ببيان الحكمة في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه، فالقرآن جاء مبينا للمشركين ضلالهم بيانا لا يترك للباطل مسلكا إلى النفوس، ومفصحا عن الهدى إفصاحا لا يترك للحيرة مجالا في العقول، ورحمة للمؤمنين بما جازاهم عن إيمانهم من خير الدنيا والآخرة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٩٥) ↗