سورة النحل · الآية ٣٢
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله، ذكر ما قاله المتقون، وأنهم اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله عليها، فعلموها وعملوا لها { للذين أحسنوا } في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله، فلهم { في هذه الدنيا حسنة } رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور. { ولدار الآخرة خير } من هذه الدار، وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل، محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة، ولهذا قال: { ولنعم دار المتقين } { جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآؤون } أي: مهما تمنته أنفسهم، وتعلقت به إرادتهم، حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم. فتبارك الذي لا نهاية لكرمه، ولا حد لجوده، الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته، وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت، وعظمة الملك والملكوت، { كذلك يجزي الله المتقين } لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات، المتعلقة بالقلب والبدن واللسان، من حقه وحق عباده، وترك ما نهاهم الله عنه. { الذين تتوفاهم الملائكة } مستمرين على تقواهم { طيبين } أي: طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس يتطرق إليهم، ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته، وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه، { يقولون سلام عليكم } أي: التحية الكاملة حاصلة لكم، والسلامة من كل آفة. وقد سلمتم من كل ما تكرهون { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا خبر عن السعداء، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: {ماذا أنزل ربكم} فقالوا معرضين عن الجواب: لم (1) ينزل شيئا، إنما هذا (2) أساطير الأولين. وهؤلاء {قالوا خيرا} أي: أنزل خيرا، أي: رحمة وبركة وحسنا لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبروا عما وعد الله [به] (3) عباده فيما أنزله على رسله فقالوا: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير} كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] ، أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة. ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كما قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} [القصص: 80] (4) وقال تعالى: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] وقال تعالى {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17] ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم (5) : {وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4] . ثم وصفوا الدار الآخرة فقالوا (6) : {ولنعم دار المتقين} وقوله: {جنات عدن} بدل من [قوله] (7) : {دار المتقين} أي: لهم في [الدار] (8) الآخرة {جنات عدن} أي: إقامة (9) يدخلونها {تجري من تحتها الأنهار} أي: بين أشجارها وقصورها، {لهم فيها ما يشاءون} كما قال تعالى: {وفيها ما تشتهيه (10) الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وفي الحديث: "إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم (11) ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا، فيكون ذلك (12) " (13) . { كذلك يجزي الله المتقين} أي: كذلك (14) يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم (15) طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٦٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وحال مماتهم، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} [النحل: 32] قال: «أحياء وأمواتا، قدر PageEndV14P213 الله ذلك لهم» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢١٢) ↗التحرير والتنوير
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) مقابل قوله في أضدادهم الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فما قيل في مقابله يقال فيه. وقرأ الجمهور تتوفاهم بفوقيتين، مثل نظيره. وقرأه حمزة وخلف بتحتية أولى كذلك. والطيب: بزنة فيعل، مثل قيم وميت، وهو مبالغة في الاتصاف بالطيب وهو حسن الرائحة. ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النفس على وجه المجاز المشهور فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى: حلالا طيبا [سورة البقرة: 168] والمعاني والنفسيات كقوله تعالى: سلام عليكم طبتم [سورة الزمر: 73] . وقولهم: طبت نفسا. ومنه قوله تعالى: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه [سورة الأعراف: 58] . وفي الحديث «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» أي مالا طيبا حلالا. فقوله تعالى هنا طيبين يجمع كل هذه المعاني، أي تتوفاهم الملائكة منزهين من الشرك مطمئني النفوس. وهذا مقابل قوله في أضدادهم الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [سورة النحل: 28] . وجملة يقولون سلام عليكم حال من الملائكة وهي حال مقارنة ل تتوفاهم، أي يتوفونهم مسلمين عليهم، وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ليتوفوهم، لأن فعل تتوفاهم يبتدىء من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع الأرواح وهي حصة قصيرة. وقولهم: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون هو مقابل قولهم لأضدادهم إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم [سورة النحل: 28، 29] . والقول في الأمر بالدخول للجنة حين التوفي كالقول في ضده المتقدم آنفا. وهو هنا نعيم المكاشفة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٤٤) ↗