سورة النحل · الآية ١٢٣
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عما فضل به خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وخصه به من الفضائل العالية والمناقب الكاملة فقال: { إن إبراهيم كان أمة } أي: إماما جامعا لخصال الخير، هاديا مهتديا. { قانتا لله } أي: مديما لطاعة ربه، مخلصا له الدين: { حنيفا } مقبلا على الله بالمحبة، والإنابة، والعبودية، معرضا عمن سواه. { ولم يك من المشركين } في قوله وعمله، وجميع أحواله، لأنه إمام الموحدين الحنفاء. { شاكرا لأنعمه } أي: آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن { اجتباه } ربه واختصه بخلته وجعله من صفوة خلقه، وخيار عباده المقربين. { وهداه إلى صراط مستقيم } في علمه وعمله، فعلم بالحق وآثره على غيره. { وآتيناه في الدنيا حسنة } رزقا واسعا، وزوجة حسناء، وذرية صالحين، وأخلاقا مرضية { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الذين لهم المنازل العالية والقرب العظيم من الله تعالى. ومن أعظم فضائله أن الله أوحى لسيد الخلق وأكملهم أن يتبع ملة إبراهيم، ويقتدي به هو وأمته.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٢٠–١٢٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الإمام الذي يقتدى به. والقانت: هو الخاشع المطيع. والحنيف: المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: {ولم يك من المشركين} قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم. وقال الأعمش، [عن الحكم] (1) عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين؛ أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة (2) فقال: الذي يعلم الناس الخير. وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله: {إن إبراهيم كان أمة} فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله [ورسوله] (3) أعلم. قال: الأمة الذي يعلم [الناس] (4) الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله. وكذلك كان معاذ معلم الخير. وكان مطيعا لله ورسوله. وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود؛ حرره ابن جرير (5) . وقال مجاهد: {أمة} أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضا: كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار. وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله. وقوله: {شاكرا لأنعمه} أي: قائما بشكر (6) نعم الله عليه، كما قال: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37] ، أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به. وقوله: {اجتباه} أي: اختاره واصطفاه، كما قال: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51] . ثم قال: {وهداه إلى صراط مستقيم} وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة} أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة، {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} وقال مجاهد في قوله: {وآتيناه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
محمد وقلنا لك: اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة {حنيفا} [البقرة: 135] يقول: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٩٨) ↗التحرير والتنوير
وجعل الثناء على إبراهيم- عليه السلام- مقدمة لذلك لبيان أن فضل الإسلام فضل زائد على جميع الأديان بأن مبدأه برسول ومنتهاه برسول. وهذا فضل لم يحظ به دين آخر. فالمقصود بعد هذا التمهيد وهاته المقدمة هو الإفضاء إلى قوله: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [سورة النحل: 123] ، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل [سورة الحج: 78] . والأصل الأصيل الذي تفرع عنه وعن فروعه هذا الانتقال ما ذكر في الآية قبلها من تحريم أهل الجاهلية على أنفسهم كثيرا مما أنعم الله به على الناس. ونظرهم باليهود إذ حرم الله عليهم أشياء، تشديدا عليهم، فجاء بهذا الانتقال لإفادة أن كلا الفريقين قد حادوا عن الحنيفية التي يزعمون أنهم متابعوها، وأن الحنيفية هي ما جاء به الإسلام من إباحة ما في الأرض جميعا من الطيبات، إلا ما بين الله تحريمه في آية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [سورة الأنعام: 145] الآية. وقد وصف إبراهيم- عليه السلام- بأنه كان أمة. والأمة: الطائفة العظيمة من الناس التي تجمعها جهة جامعة. وتقدم في قوله تعالى كان الناس أمة واحدة في سورة البقرة [213] . ووصف إبراهيم- عليه السلام- بذلك وصف بديع جامع لمعنيين: أحدهما: أنه كان في الفضل والفتوة والكمال بمنزلة أمة كاملة. وهذا كقولهم: أنت الرجل كل الرجل، وقول البحتري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... لدى الفضل حتى عد ألف بواحد وعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال «معاذ أمة قانت لله» .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٣١٥) ↗