سورة النحل · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم، بحيث لا تستغنون عنها أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر، من الضياء والنور، والإشراق، وإصلاح الأشجار والثمار، والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة الضارة للأرض وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات، التابعة لوجود الشمس والقمر. وفيهما وفي النجوم، من الزينة للسماء والهداية، في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات، وحساب الأزمنة، ما تتنوع دلالاتها، وتتصرف آياتها، ولهذا جمعها في قوله { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر، فيما هي مهيأة له مستعدة، تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظر حظ البهائم التي لا عقل لها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات (1) [والجمادات] (2) على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها. يخبر تعالى عن تسخيره (1) البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم، وتيسيره للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله (2) لعباده لحمها حيها وميتها، في الحل والإحرام (3) وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجها من قرارها حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل (4) السفن التي تمخره، أي: تشقه. وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح بجؤجئها وهو صدرها المسنم -الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك، إرثا عن أبيهم نوح، عليه السلام؛ فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، وبلد إلى بلد، وإقليم إلى إقليم، تجلب ما هنا إلى هنالك، وما هنالك إلى هنا (5) ؛ ولهذا قال تعالى: {ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} أي: نعمه وإحسانه. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية (6) البغدادي: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن [عمر، عن] (7) سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [رفعه] (8) قال: كلم الله هذا البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادا من عبادي، فكيف أنت صانع فيهم (9) ؟ قال: أغرقهم. فقال: بأسك في نواحيك. وأحملهم على يدي. وحرمه الحلية والصيد. وكلم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي، فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي، وأكون لهم (10) كالوالدة لولدها. فأثابه الحلية والصيد (11) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لسكنكم فيه {والشمس والقمر} [الأنعام: 96] لمعرفة أوقات أزمنتكم، وشهوركم، وسنينكم، وصلاح معايشكم. {والنجوم مسخرات} [الأعراف: 54] لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر. {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٨٤) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور ينبت بياء الغيبة. وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة. [12] 12] وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان. وتقدم ما يفسر هذه الآية في صدر سورة يونس. وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر في أوائل سورة الأعراف [54] وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم. وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان. ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة، إذ هي دلائل بينة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة. وتقدم وجه إقحام لفظ (قوم) آنفا، وأن الجملة تذييل. وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لفعل «سخر» . وقرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم بالرفع على الابتداء ورفع مسخرات على أنه خبر عنها. فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين. وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات. ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفي لقلة من يرقب حركات النجوم. والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف. وقد أبدى الفخر في كتاب «درة التنزيل» وجها للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية: بأن ما ذكر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١١٦) ↗