سورة النحل · الآية ١١٨
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم الله من الحيوانات والحبوب والثمار وغيرها. { حللا طيبا } أي: حالة كونها متصفة بهذين الوصفين، بحيث لا تكون مما حرم الله، أو أثرا عن غصب ونحوه. فتمتعوا بما خلق الله لكم من غير إسراف ولا تعد. { واشكروا نعمت الله } بالاعتراف بها بالقلب، والثناء على الله بها، وصرفها في طاعة الله. { إن كنتم إياه تعبدون } أي: إن كنتم مخلصين له العبادة، فلا تشكروا إلا إياه، ولا تنسوا المنعم. { إنما حرم عليكم } الأشياء المضرة تنزيها لكم، وذلك: ك { الميتة } ويدخل في ذلك كل ما كان موته على غير ذكاة مشروعة، ويستثنى من ذلك، ميتة الجراد والسمك. { والدم } المسفوح، وأما ما يبقى في العروق واللحم فلا يضر. { ولحم الخنزير } لقذارته وخبثه، وذلك شامل للحمه وشحمه وجميع أجزائه. { ومآ أهل لغير الله به } كالذي يذبح للأصنام والقبور ونحوها، لأنه مقصود به الشرك. { فمن اضطر } إلى شيء من المحرمات - بأن حملته الضرورة، وخاف إن لم يأكل أن يهلك - فلا جناح عليه إذا لم يكن باغيا أو عاديا، أي: إذا لم يرد أكل المحرم، وهو غير مضطر، ولا متعد الحلال إلى الحرام، أو متجاوز لما زاد على قدر الضرورة، فهذا الذي حرمه الله من المباحات. { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } أي: لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه. { لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا، فإنه { متاع قليل } ومصيرهم إلى النار { ولهم عذاب أليم }. فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات، تفضلا منه، وصيانة عن كل مستقذر. وأما الذين هادوا فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ظلمهم عقوبة لهم، كما قصه في سورة الأنعام في قوله: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] وقال: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] . لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة (1) والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وأنه (2) أرخص فيه عند الضرورة -وفي ذلك توسعة لهذه الأمة، التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر -ذكر سبحانه وتعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والأغلال والحرج والتضييق، فقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني: في "سورة الأنعام" في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون] } [الأنعام: 146] (3) ؛ ولهذا قال هاهنا: {وما ظلمناهم} أي: فيما ضيقنا عليهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: فاستحقوا ذلك، كما قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [النساء: 160] . ثم أخبر تعالى تكرما وامتنانا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل. {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات، {إن ربك من بعدها} أي: تلك الفعلة والذلة {لغفور رحيم} يمدح [تبارك و] (4) تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية فقال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} فأما "الأمة"، فهو
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦١٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، {وما ظلمناهم} [هود: 101] بتحريمنا ذلك عليهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] فجزيناهم ذلك ببغيهم على ربهم وظلمهم أنفسهم بمعصية الله، فأورثهم ذلك عقوبة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٩١) ↗التحرير والتنوير
إلى الحبشة كما يدل عليه قوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا [سورة النحل: 110] ، وبعضها متأخر النزول عن سورة الأنعام لقوله في هذه وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل [سورة النحل: 118] ، يعني بما قص من قبل قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [سورة الأنعام: 146] الآيات. وذكر القرطبي أنه روي عن عثمان بن مظعون: لما نزلت هذه الآية قرأتها على أبي طالب فتعجب وقال: يا آل غالب اتبعوا ابن أخي تفلحوا فو الله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق . وروى أحمد عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون لما نزلت هذه الآية كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم قال: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم. وروي أن النبيء صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يضعها في موضعها هذا من هذه السورة . وهذه السورة نزلت بعد سورة الأنبياء وقبل سورة الم السجدة. وقد عدت الثانية والسبعين في ترتيب نزول السور. وآيها مائة وثمان وعشرون بلا خلاف. ووقع للخفاجي عن الداني أنها نيف وتسعون. ولعله خطأ أو تحريف أو نقص. معظم ما اشتملت عليه السورة إكثار متنوع الأدلة على تفرد الله تعالى بالإلهية، والأدلة على فساد دين الشرك وإظهار شناعته. وأدلة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وإنزال القرآن عليه- عليه الصلاة والسلام-. وإن شريعة الإسلام قائمة على صول ملة إبراهيم- عليه السلام-.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٩٤) ↗