سورة النحل · الآية ١١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه لغفور رحيم لمن هاجر في سبيله، وخلى دياره وأمواله، طلبا لمرضاة الله، وفتن على دينه ليرجع إلى الكفر، فثبت على الإيمان، وتخلص ما معه من اليقين، ثم جاهد أعداء الله ليدخلهم في دين الله، بلسانه ويده، وصبر على هذه العبادات الشاقة، على أكثر الناس. فهذه أكبر الأسباب التي تنال بها أعظم العطايا، وأفضل المواهب، وهي مغفرة الله للذنوب صغارها وكبارها، المتضمن ذلك زوال كل أمر مكروه، ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم واستقامت أمور دينهم ودنياهم، فلهم الرحمة من الله في يوم القيامة حين { تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } كل يقول نفسي نفسي لا يهمه سوى نفسه، ففي ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير. { وتوفى كل نفس ما عملت } من خير وشر { وهم لا يظلمون } فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون [يس: 54].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١١٠–١١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
النصرانية، فيأبى (1) ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر. وفي رواية: ببقرة من نحاس، فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه (2) . هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم قد واتوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر الله تعالى أنه {من بعدها} أي: تلك الفعلة، وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم. {يوم تأتي كل نفس تجادل} أي: تحاج {عن نفسها} ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة {وتوفى كل نفس ما عملت} أي: من خير وشر، {وهم لا يظلمون} أي: لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر (1) ولا يظلمون نقيرا. هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف، كما قال تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦٠٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عملت} [النحل: 111] في الدنيا من طاعة ومعصية {وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] يقول: وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدموه من خير أو شر، فلا يجزى المحسن إلا بالإحسان، ولا المسيء إلا بالذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسن، ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيء إلا ثواب عمله. واختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله قيل «تجادل» فأنث الكل، فقال بعض نحويي البصرة: قيل ذلك لأن معنى كل نفس: كل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٨١) ↗التحرير والتنوير
وتعريف المسند إليه الذي هو اسم إن بطريق الإضافة دون العلمية لما يومىء إليه إضافة لفظ (رب) إلى ضمير النبيء من كون المغفرة والرحمة لأصحابه كانت لأنهم أوذوا لأجل الله ولأجل النبيء صلى الله عليه وسلم فكان إسناد المغفرة إلى الله بعنوان كونه رب محمد صلى الله عليه وسلم حاصلا بأسلوب يدل على الذات العلية وعلى الذات المحمدية. وهذا من أدق لطائف القرآن في قرن اسم النبيء باسم الله بمناسبة هذا الإسناد بخصوصه. وضمير من بعدها عائد إلى الهجرة المستفادة من هاجروا، أو إلى المذكورات: من هجرة وفتنة وجهاد وصبر، أو إلى الفتنة المأخوذة من فتنوا. وكل تلك الاحتمالات تشير إلى أن المغفرة والرحمة لهم جزاء على بعض تلك الأفعال أو كلها. وقرأ ابن عامر فتنوا- بفتح الفاء والتاء- على البناء للفاعل، وهي لغة في افتتن، بمعنى وقع في الفتنة. [111] 111] يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) يجوز أن يكون هذا استئنافا وتذييلا بتقدير: اذكر يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وقع عقب التحذير والوعيد وعيدا للذين أنذروا ووعدا للذين بشروا. ويجوز أن يكون متصلا بقوله: إن ربك من بعدها لغفور رحيم [سورة النحل: 110] ، فيكون انتصاب يوم تأتي كل نفس على الظرفية لغفور رحيم، أي يغفر لهم ويرحمهم يوم القيامة بحيث لا يجدون أثرا لذنوبهم التي لا يخلو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٣٠١) ↗