سورة النحل · الآية ١٠٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله، الذي هو أشرف الكتب وأجلها، وفيه صلاح القلوب، والعلوم الكثيرة، فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها. فالطريق إلى السلامة من شره الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره، فيقول القارئ: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " متدبرا لمعناها، معتمدا بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهدا في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة، مجتهدا على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان والتوكل. فإن الشيطان { ليس له سلطان } أي: تسلط { على الذين آمنوا وعلى ربهم } وحده لا شريك له { يتوكلون } فيدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه شر الشيطان، ولا يبق له عليهم سبيل. { إنما سلطانه } أي: تسلطه { على الذين يتولونه } أي: يجعلونه لهم وليا، وذلك بتخليهم عن ولاية الله، ودخولهم في طاعة الشيطان وانضمامهم لحزبه، فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم، فأزهم إلى المعاصي أزا، وقادهم إلى النار قودا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٩٨–١٠٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{والذين هم به مشركون} أي: أشركوا في عبادة الله تعالى. ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد. يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا للرسول: {إنما أنت مفتر} أي: كذاب وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقال مجاهد: {بدلنا آية مكان آية} أي: رفعناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة: هو كقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة:106] . فقال تعالى مجيبا لهم: {قل نزله روح القدس} أي: جبريل، {من ربك بالحق} أي: بالصدق والعدل، {ليثبت الذين آمنوا} فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا وتخبت له قلوبهم، {وهدى وبشرى للمسلمين} أي: وجعله هاديا [مهديا] (1) وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله. يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت: أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، فربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه؛ فلهذا قال الله تعالى رادا عليهم في افترائهم ذلك: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} يعني: القرآن أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، التي هي أكمل من (1) معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟! لا يقول هذا من له أدنى مسكة (2) من العقل. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني-كثيرا ما يجلس
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٦٠٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وكأن معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن، ولا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه، وليس قوله: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] قال: «فهذا دليل من الله تعالى دل عباده عليه» وأما قوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99] فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله PageEndV14P358 ورسوله، وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه {وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99] يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم. {إنما سلطانه على الذين يتولونه} [النحل: 100] يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، {والذين هم به مشركون} [النحل: 100] يقول: والذين هم بالله مشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٥٧) ↗التحرير والتنوير
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) موقع فاء التفريع هنا خفي ودقيق، ولذلك تصدى بعض حذاق المفسرين إلى البحث عنه. فقال في «الكشاف» : «لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله إيذانا بأن الاستعاذة من جملة الأعمال التي يجزل عليها الثواب» اه. وهو إبداء مناسبة ضعيفة لا تقتضي تمكن ارتباط أجزاء النظم. وقال فخر الدين: «لما قال: ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [سورة النحل: 97] أرشد إلى العلم الذي تخلص به الأعمال من الوسواس» اه. وهو أمكن من كلام «الكشاف» . وزاد أبو السعود: «لما كان مدار الجزاء هو حسن العمل رتب عليه الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح بأن يخلص من شوب الفساد» . وفي كلاميهما من الوهن أنه لا وجه لتخصيص الاستعاذة بإرادة قراءة القرآن. وقول ابن عطية: «الفاء في فإذا واصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا» ، فتكون الفاء على هذا لمجرد وصل كلام بكلام واستشهد له بالاستعمال والعهدة عليه. وقال شرف الدين الطيبي: «قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن متصل بالفاء بما سبق من قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [سورة النحل: 89] . وذلك لأنه تعالى لما من على النبيء صلى الله عليه وسلم بإنزال كتاب جامع لصفات الكمال وأنه تبيان لكل شيء، ونبه على أنه تبيان لكل شيء بالكلمة الجامعة وهي قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان [سورة النحل: 90]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٧٤) ↗