سورة الحجر · الآية ٨٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى ممتنا على رسوله: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة ". أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف " القرآن العظيم " على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني، كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] ولذلك قال بعده: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغتر بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { ولا تحزن عليهم } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في المؤمنين عنهم أحسن البدل، وأفضل العوض، { واخفض جناحك للمؤمنين } أي: ألن لهم جانبك، وحسن لهم خلقك، محبة وإكراما وتوددا، { وقل إني أنا النذير المبين } أي: قم بما عليك من النذارة، وأداء الرسالة، والتبليغ للقريب والبعيد، والعدو، والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك، فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. وقوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد الناس عن سبيل الله. { الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول: كهانة، ومنهم من يقول: مفترى، إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح، الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله. وفي الصحيحين، عن أبي موسى [الأشعري] (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق" (2) وقوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} أي: جزؤوا كتبهم المنزلة عليهم، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {جعلوا القرآن عضين} قال: هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه (3) (4) حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي (5) ظبيان، عن ابن عباس: {كما أنزلنا على المقتسمين} قال: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض: اليهود والنصارى (6) قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، مثل ذلك. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: {جعلوا القرآن عضين} قال: السحر (7) وقال عكرمة: العضه: السحر بلسان قريش، تقول (8) للساحرة: إنها العاضهة (9) وقال مجاهد: عضوه أعضاء، قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين. وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: مجنون. وقال بعضهم كاهن. فذلك العضين (10) وكذا روي عن الضحاك وغيره. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف (11) فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٤٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على تماديكم في غيكم. {كما أنزلنا على المقتسمين} [الحجر: 90] يقول: مثل الذي أنزل الله تعالى من البلاء والعقاب على الذين اقتسموا القرآن، فجعلوه عضين. PageEndV14P129 ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: {المقتسمين} [الحجر: 90] ، فقال بعضهم: عني به اليهود والنصارى، وقال: كان اقتسامهم أنهم اقتسموا القرآن وعضوه، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٢٨) ↗التحرير والتنوير
وعطف القرآن على السبع من عطف الكل على الجزء لقصد التعميم ليعلم أن إيتاء القرآن كله نعمة عظيمة. وفي حديث أبي سعيد بن المعلى قال: قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «والقرآن العظيم الذي أوتيته» على تأويله بأن كلمة «القرآن» مرفوعة بالابتداء «والذي أوتيته» خبره. وأجري وصف العظيم على القرآن تنويها به. وإن كان المراد بالسبع سورا كما هو مروي من قول ابن عباس وكثير من الصحابة والسلف واختلفوا في تعيينها بما لا ينثلج له الصدر، فيكون إبهامها مقصودا لصرف الناس للعناية بجميع ما نزل من سور القرآن كما أبهمت ليلة القدر. [88، 89] 89] لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) استئناف بياني لما يثيره المقصود من قوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [سورة الحجر: 85] ، ومن تساؤل يجيش في النفس عن الإملاء للمكذبين في النعمة والترف مع ما رمقوا به من الغضب والوعيد فكانت جملة لا تمدن عينيك بيانا لما يختلج في نفس السامع من ذلك، ولكونها بهذه المثابة فصلت عن التي قبلها فصل البيان عن المبين. ولولا أن الجملة التي وقعت قبلها كانت بمنزلة التمهيد لها والإجمال لمضمونها لعطفت هذه الجملة لأنها تكون حينئذ مجرد نهي لا اتصال له بما قبله، كما عطفت نظيرتها في قوله تعالى في سورة طه [129- 131] : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٨١) ↗