سورة الحجر · الآية ٨٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى ممتنا على رسوله: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة ". أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون عطف " القرآن العظيم " على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني، كان قد أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] ولذلك قال بعده: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغتر بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { ولا تحزن عليهم } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في المؤمنين عنهم أحسن البدل، وأفضل العوض، { واخفض جناحك للمؤمنين } أي: ألن لهم جانبك، وحسن لهم خلقك، محبة وإكراما وتوددا، { وقل إني أنا النذير المبين } أي: قم بما عليك من النذارة، وأداء الرسالة، والتبليغ للقريب والبعيد، والعدو، والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك، فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. وقوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد الناس عن سبيل الله. { الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول: كهانة، ومنهم من يقول: مفترى، إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال مجاهد: هي السبع الطول. ويقال: هي القرآن العظيم. وقال خصيف، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: {سبعا من المثاني} قال: أعطيتك سبعة أجزاء: آمر، وأنهى، وأبشر (1) وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدد النعم، وأنبئك بنبأ (2) القرآن. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. والقول الثاني: أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. روي ذلك عن عمر وعلي، وابن مسعود، وابن عباس. قال ابن عباس: والبسملة هي (3) الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب، والحسن البصري، ومجاهد. وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين (4) في كل قراءة. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع. واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة "الفاتحة" في أول التفسير، ولله الحمد. وقد أورد البخاري، رحمه الله، هاهنا حديثين: أحدهما: قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: "ما (5) منعك أن تأتيني (6) ؟ ". فقلت: كنت أصلي. فقال: "ألم يقل الله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} [الأنفال: 24] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ " فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته (7) فقال: " {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (8) [و] (9) الثاني: قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم" (10) فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي (11) وصف غيرها من السبع الطول بذلك، لما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هذه السبع، وإنما سمين بذلك لأنهن ثني فيهن الأمثال والخبر والعبر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٠٧) ↗التحرير والتنوير
وزيد هنا أن ذلك خلق بالحق. وكان قوله تعالى: وإن الساعة لآتية فذلكة لقوله تعالى: وإنا لنحن نحيي ونميت- إلى-: وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم [سورة الحجر: 25] ، فعاد سياق الكلام إلى حيث فارق مهيعه. ولذلك تخلص إلى ذكر القرآن بقوله: ولقد آتيناك سبعا من المثاني [سورة الحجر: 87] الناظر إلى قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [سورة الحجر: 9] . وجملة إن ربك هو الخالق العليم في موقع التعليل للأمر بالصفح عنهم، أي لأن في الصفح عنهم مصلحة لك ولهم يعلمها ربك، فمصلحة النبيء صلى الله عليه وسلم في الصفح هي كمال أخلاقه، ومصلحتهم في الصفح رجاء إيمانهم، فالله الخلاق لكم ولهم ولنفسك وأنفسهم، العليم بما يأتيه كل منكم، وهذا كقوله تعالى: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون [سورة فاطر: 8] . ومناسبة لقوله تعالى: وإن الساعة لآتية ظاهرة. وفي وصفه ب الخالق العليم إيماء إلى بشارة النبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله يخلق من أولئك من يعلم أنهم يكونون أولياء للنبيء صلى الله عليه وسلم وهم الذين آمنوا بعد نزول هذه الآية والذين ولدوا، كقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» . وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان في أيام الجاهلية من المؤذين للنبيء صلى الله عليه وسلم: دعاني داع غير نفسي وردني ... إلى الله من أطردته كل مطرد يعني بالداعي النبيء صلى الله عليه وسلم. وتلك هي نكتة ذكر وصف الخالق دون غيره من الأسماء الحسنى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٧٨) ↗