سورة الحجر · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى معظما لكتابه، مادحا له { تلك آيات الكتاب } أي: الآيات الدالة على أحسن المعاني، وأفضل المطالب، { وقرآن مبين } للحقائق بأحسن لفظ وأوضحه وأدله على المقصود، وهذا مما يوجب على الخلق الانقياد إليه، والتسليم لحكمه وتلقيه بالقبول والفرح والسرور. فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه، وذلك حين ينكشف الغطاء، وتظهر أوائل الآخرة، ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون. ف { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } بلذاتهم { ويلههم الأمل } أي: يؤملون البقاء في الدنيا، فيلهيهم عن الآخرة، { فسوف يعلمون } أن ما هم عليه باطل، وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم، ولا يغتروا بإمهال الله تعالى، فإن هذه سنته في الأمم. { ومآ أهلكنا من قرية } كانت مستحقة للعذاب { إلا ولها كتاب معلوم } مقدر لإهلاكها. { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها، وإن تأخر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ١–٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هم فيه من الشرك والعناد والإلحاد، الذي يستحقون به الهلاك. يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم وعنادهم في قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي: الذي يدعي ذلك {إنك لمجنون} أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا. {لو ما} أي: هلا {تأتينا بالملائكة} أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به {إن كنت من الصادقين} كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا} [الفلاقان: 21، 22] وكذا (1) قال في هذه الآية: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} وقال مجاهد في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} بالرسالة والعذاب. ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {له لحافظون} على النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق، [والله أعلم] (2) يقول تعالى مسليا لرسوله في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة رسول إلا كذبوه واستهزؤوا به. ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى. قال أنس، والحسن البصري: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} يعني: الشرك. وقوله: {وقد خلت سنة الأولين} أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٢٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهلكناهم عند ذلك، فيقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فكذلك أهل قريتك التي أنت منها وهي مكة، لا نهلك مشركي أهلها إلا بعد بلوغ كتابهم أجله، لأن من قضائي أن لا أهلك أهل قرية إلا بعد بلوغ كتابهم أجله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٤) ↗التحرير والتنوير
أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله: فسوف يعلمون. وهو كقوله: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون [سورة المرسلات: 46] . ولا يحسن جعله مجزوما في جواب ذرهم لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم. والتمتع: الانتفاع بالمتاع. وقد تقدم غير مرة، منها قوله: ومتاع إلى حين في سورة الأعراف [24] . وإلهاء الأمل إياهم: هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه بأن يصرفهم تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة. والأمل: مصدر. وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله. فهو واسطة بين الرجاء والطمع. ألا ترى إلى قول كعب: أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل وتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله: فسوف يعلمون بأنه مما يستعمل في الوعيد كثيرا حتى صار كالحقيقة. وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معلوما كقوله: وسوف يعلمون حين يرون العذاب [سورة الفرقان: 42] . [4- 5] 5] وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكما يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك، أي ما أهلكنا أمة إلا وقد متعناها زمنا وكان لهلاكها أجل ووقت محدود، فهي ممتعة قبل حلوله، وهي مأخوذة عند إبانه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٤) ↗