سورة الحجر · الآية ١٨
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه -: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، { وزيناها للناظرين } فإنه لولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها، والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها. { وحفظناها من كل شيطان رجيم } إذا استرق السمع، أتبعته الشهب الثواقب، فبقيت السماء، ظاهرها مجملا بالنجوم النيرات، وباطنها محروسا ممنوعا من الآفات. { إلا من استرق السمع } أي: في بعض الأوقات، قد يسترق بعض الشياطين السمع بخفية واختلاس، { فأتبعه شهاب مبين } أي: بين منير، يقتله أو يخبله. فربما أدركه الشهاب قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه، فينقطع خبر السماء عن الأرض، وربما ألقاها إلى وليه قبل أن يدركه الشهاب، فيضمها ويكذب معها مئة كذبة، ويستدل بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. { والأرض مددناها } أي: وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها، والتناول من أرزاقها، والسكون في نواحيها. { وألقينا فيها رواسي } أي: جبالا عظاما، تحفظ الأرض بإذن الله أن تميد وتثبتها أن تزول { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } أي: نافع متقوم يضطر إليه العباد والبلاد، ما بين نخيل وأعناب، وأصناف الأشجار، وأنواع النبات. { وجعلنا لكم فيها معايش } من الحرث ومن الماشية، ومن أنواع المكاسب والحرف. { ومن لستم له برازقين } أي: أنعمنا عليكم بعبيد وإماء وأنعام، لنفعكم ومصالحكم، وليس عليكم رزقها، بل خولكم الله إياها وتكفل بأرزاقها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ١٦–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هكذا واحد فوق آخر -ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها (1) فوق بعض -فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه [حتى] (2) يرمي بها إلى الذي يليه، [إلى الذي] (3) هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى (4) على فم الساحر -أو: الكاهن -فيكذب معها مائة كذبة (5) فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقا؟ للكلمة التي سمعت من السماء" (6) ثم ذكر، تعالى، خلقه الأرض، ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة. وقال ابن عباس: {من كل شيء موزون} أي: معلوم. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو مالك، ومجاهد، والحكم بن عتيبة (7) والحسن بن محمد، وأبو صالح، وقتادة. ومنهم من يقول: مقدر بقدر. وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن (8) ويقدر بقدر. وقال ابن زيد: ما تزنه [أهل] (9) الأسواق. وقوله: {وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين} يذكر، تعالى، أنه صرفهم في الأرض في صنوف [من] (10) الأسباب والمعايش، وهي جمع معيشة. وقوله: {ومن لستم له برازقين} قال مجاهد: وهي الدواب والأنعام. وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام. والقصد أنه، تعالى، يمتن (11) عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى. [وقوله] (12) يخبر، تعالى، أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن (13) عنده خزائن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٢٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيتبعه شهاب من النار، {مبين} [البقرة: 168] يبين أثره فيه، إما بإخباله وإفساده، أو بإحراقه. وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله: {إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] هو استثناء خارج، كما قال: ما أشتكي إلا خيرا، يريد: لكن أذكر خيرا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣١) ↗التحرير والتنوير
وقد تقدم الكلام على السحر وأحواله عند قوله تعالى: يعلمون الناس السحر في سورة البقرة [102] . وإقحام كلمة قوم هنا دون أن يقولوا: بل نحن مسحورون، لأن ذكرها يقتضي أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما تقدم تبيينه عند قوله تعالى: لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] . وتكرر ذلك. [16- 18] 18] ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) لما جرى الكلام السابق في شأن تكذيب المشركين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما توركوا به في ذلك، وكان الأصل الأصيل الذي بنوا عليه صرح التكذيب أصلين هما إبطاله إلهية أصنامهم، وإثباته البعث، انبرى القرآن يبين لهم دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية، فذكر الدلائل الواضحة من خلق السماوات والأرض، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم وخلفها بأخرى في قوله تعالى: وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون [سورة الحجر: 23] الآية. وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير غلوائهم بعنادهم، فكان الانتقال إليه تخلصا بديعا. وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات. والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٧) ↗