سورة إبراهيم · الآية ٨
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن موسى، حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حين (1) كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم فأنقذ الله بني إسرائيل من ذلك، وهذه نعمة عظيمة؛ ولهذا قال: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها. وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل {بلاء} أي: اختبار عظيم. ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم، كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] . وقوله: {وإذ تأذن ربكم} أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه كما قال: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة [من يسومهم سوء العذاب] (2) } [الأعراف: 167] . وقوله (3) {لئن شكرتم لأزيدنكم} (4) أي: لئن شكرتم نعمتي (5) عليكم لأزيدنكم منها، {ولئن كفرتم} أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها، {إن عذابي لشديد} وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها. وقد جاء في الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (6) . وفي المسند: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به سائل فأعطاه تمرة، فتسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها، فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر له بأربعين درهما، أو كما قال. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها -أو: وحش بها -قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله! تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال للجارية: "اذهبي إلى أم سلمة، فأعطيه الأربعين درهما التي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٧٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي: {فإن الله لغني} [إبراهيم: 8] قال: " غني عن خلقه، {حميد} [إبراهيم: 8] قال: «مستحمد إليهم»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٦٠٣) ↗التحرير والتنوير
والكفر مراد به كفر النعمة وهو مقابلة المنعم بالعصيان. وأعظم الكفر جحد الخالق أو عبادة غيره معه وهو الإشراك، كما أن الشكر مقابلة النعمة بإظهار العبودية والطاعة. واستغنى ب إن عذابي لشديد عن لأعذبنه عذابا شديدا [النمل: 21] لكونه أعم وأوجز، ولكون إفادة الوعيد بضرب من التعريض أوقع في النفس. والمعنى: إن عذابي لشديد لمن كفر فأنتم إذن منهم. [8] 8] وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) أعيد فعل القول في عطف بعض كلام موسى- عليه السلام- على بعض لئلا يتوهم أن هذا مما تأذن به الرب وإنما هو تنبيه على كلام الله. وفي إعادة فعل القول اهتمام بهذه الجملة وتنويه بها حتى تبرز مستقلة وحتى يصغي إليها السامعون للقرآن. ووجه الاهتمام بها أن أكثر الكفار يحسبون أنهم يحسنون إلى الله بإيمانهم، وأن أنبياءهم حين يلحون عليهم بالإيمان إنما يبتغون بذلك تعزيز جانبهم والحرص على مصحلتهم. فلما وعدهم على الشكر بالزيادة وأوعدهم على الكفر بالعقوبة خشي أن يحسبوا ذلك لانتقام المثيب بما أثاب عليه، ولتضرره مما عاقب عليه، فنبههم إلى هذا الخاطر الشيطاني حتى لا يسري إلى نفوسهم فيكسبهم إدلالا بالإيمان والشكر والإقلاع عن الكفر. وأنتم فصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذ كان هذا المعطوف عليه ضميرا متصلا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٩٤) ↗