سورة إبراهيم · الآية ٤٢
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول [تعالى شأنه] (1) {ولا تحسبن الله} يا محمد {غافلا عما يعمل الظالمون} أي: لا تحسبه إذ (2) أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم (3) بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عدا، أي: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} أي: من شدة الأهوال يوم القيامة. ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: {مهطعين} أي: مسرعين، كما قال تعالى: {مهطعين إلى الداع [يقول الكافرون هذا يوم عسر] (4) } [القمر: 8] ، وقال تعالى: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} إلى قوله: {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما} [طه: 198 -111] ، وقال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} [المعارج: 43] . وقوله: {مقنعي رءوسهم} قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد: رافعي رءوسهم. {لا يرتد إليهم طرفهم} أي: [بل] (5) أبصارهم طائرة شاخصة، يديمون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة (6) لما يحل بهم، عياذا بالله العظيم من ذلك؛ ولهذا قال: {وأفئدتهم هواء} أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة [الفزع و] (7) الوجل والخوف. ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: {هواء} خراب لا تعي (8) شيئا. ولشدة ما أخبر الله تعالى [به] (9) عنهم، قال لرسوله: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥١٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[إبراهيم: 42] هؤلاء المشركون من قومك، بل هو عالم بهم وبأعمالهم، محصيها عليهم، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أنه يجزيهم فيه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، في قوله: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل PageEndV13P704 الظالمون} [إبراهيم: 42] قال: «هي وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٧٠٣) ↗التحرير والتنوير
قبل نبوءته. وهذا الدعاء لأبويه قبل أن يتبين له أن أباه عدو لله كما في آية سورة براءة. ومعنى يقوم الحساب: يثبت. استعير القيام للثبوت تبعا لتشبيه الحساب بإنسان قائم، لأن حالة القيام أقوى أحوال الإنسان إذ هو انتصاب للعمل. ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق، إذا قويت واشتدت. وقولهم: ترجلت الشمس، إذا قوي ضوءها، وتقدم عند قوله تعالى: ويقيمون الصلاة في أول سورة البقرة [4] . [42، 43] 43] ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) عطف على الجمل السابقة، وله اتصال بجملة قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار [سورة إبراهيم: 30] الذي هو وعيد للمشركين وإنذار لهم بأن لا يغتروا بسلامتهم وأمنهم تنبيها لهم على أن ذلك متاع قليل زائل، فأكد ذلك الوعيد بهذه الآية، مع إدماج تسلية الرسول- عليه الصلاة والسلام- على ما يتطاولون به من النعمة والدعة، كما دل عليه التفريع في قوله فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله [سورة إبراهيم: 47] . وفي معنى الآية قوله: وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا [سورة المزمل: 11] . وباعتبار ما فيه من زيادة معنى التسلية وما انضم إليه من وصف فظاعة حال المشركين يوم الحشر حسن اقتران هذه الجملة بالعاطف ولم تفصل. وصيغة لا تحسبن ظاهرها نهي عن حسبان ذلك. وهذا النهي كناية عن إثبات وتحقيق ضد المنهي عنه في المقام الذي من شأنه أن يثير للناس ظن وقوع المنهي عنه لقوة الأسباب المثيرة لذلك. وذلك أن إمهالهم وتأخير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٤٥) ↗