سورة إبراهيم · الآية ٣٨
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: لو قال: "أفئدة الناس" لازدحم عليه فارس والروم واليهود (1) والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: {من الناس} فاختص به المسلمون. وقوله: {وارزقهم من الثمرات} أي: ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك وكما أنه {واد غير ذي زرع} فاجعل لهم ثمارا يأكلونها. وقد استجاب الله ذلك، كما قال: {أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته: أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها، استجابة لخليله إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. قال ابن جرير: يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم خليله أنه قال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} أي: أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء. ثم حمد ربه، عز وجل، على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} أي: إنه ليستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته (2) من الولد. ثم قال: {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي: محافظا عليها مقيما لحدودها {ومن ذريتي} أي: واجعلهم كذلك مقيمين (3) الصلاة {ربنا وتقبل دعاء} أي: فيما سألتك فيه كله. {ربنا اغفر لي ولوالدي} وقرأ بعضهم: "ولوالدي"، على الإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه (4) لما تبين له عداوته (5) لله، عز وجل، {وللمؤمنين} أي: كلهم {يوم يقوم الحساب} أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم (6) بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، [والله أعلم] (7) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥١٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[إبراهيم: 35] الآية، وأنه إنما قصد بذلك رضا الله عنه في محبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله، وإخلاص العبادة له على مثل الذي هو له، فقال: ربنا إنك تعلم ما تخفي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا، وما نعلن من دعائنا، فنجهر به، وغير ذلك من أعمالنا، وما يخفى عليك يا ربنا من شيء يكون في الأرض ولا في السماء، لأن ذلك كله ظاهر لك متجل باد، لأنك مدبره وخالقه، فكيف يخفى عليك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٧٠١) ↗التحرير والتنوير
فلما ذكر أفئدة لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم من الناس، ف من بيانية لا تبعيضية، إذ لا طائل تحته. والمعنى: فاجعل أناسا يقصدونهم بحبات قلوبهم. وتهوي- مضارع هوى- بفتح الواو-: سقط. وأطلق هنا على الإسراع في المشي استعارة، كقول امرئ القيس: كجلمود صخر حطه السيل من عل ولذلك عدي باللام دون على. والإسراع: جعل كناية عن المحبة والشوق إلى زيارتهم. والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم. والتنكير مطلق يحمل على المتعارف في عمران المدن والأسواق بالواردين، فلذلك لم يقيده في الدعاء بما يدل على الكثرة اكتفاء بما هو معروف. ومحبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين. ورجاء شكرهم داخل في الدعاء لأنه جعل تكملة له تعرضا للإجابة وزيادة في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين. والمقصود: توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب. [38] 38] ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) جاء بهذا التوجه إلى الله جامعا لما في ضميره، وفذلكة للجمل الماضية لما اشتملت عليه من ذكر ضلال كثير من الناس، وذكر من اتبع دعوته
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٤٢) ↗