سورة إبراهيم · الآية ٣٤
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يعدد تعالى نعمه على خلقه، بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظا (1) والأرض فراشا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى، ما بين ثمار وزروع، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر يحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر، لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع. {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} أي: يسيران لا يقران (2) ليلا ولا نهارا، {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] ، {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] ، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار عارضان (3) فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر، {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (4) } [لقمان: 29] ، وقال تعالى: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الزمر: 5] . وقوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} يقول: هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم (5) وقالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه. وقرأ بعضهم: "وأتاكم من كل ما سألتموه". وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب، رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر (6) من أن يحصيها (7) العباد، ولكن أصبحوا توابين وامسوا توابين.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥١١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
سألتموه ورغبتم إليه شيئا وحذف الشيء الثاني اكتفاء بما التي أضيفت إليها «كل» ، وإنما جاز حذفه، لأن «من» تبعض ما بعدها، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول، فلذلك جاز حذفه، ومثله قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٦٨٢) ↗التحرير والتنوير
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [سورة الزخرف: 67] . وقد كني بنفي البيع والخلال التي هي وسائل النوال والإرفاد عن انتفاء الاستزادة. وإدخال حرف الجر على اسم الزمان وهو قبل لتأكيد القبلية ليفهم معنى المبادرة. وقرأ الجمهور لا بيع بالرفع. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بالبناء على الفتح. وهما وجهان في نفي النكرة بحرف لا. [32- 34] 34] الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة وجعلوا لله أندادا الآية. وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة الآية. وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر عليها ليظهر حال الذين كفروها، وبالضد حال الذين شكروا عليها، وليزداد الشاكرون شكرا. فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية، كما يدل عليه تعقيبه بقوله: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [سورة إبراهيم: 35] . فجيء في هذه الآية بنعم عامة مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٣٤) ↗