البيانابحثاسألالموضوعات

سورة إبراهيم · الآية ٣

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾

التفسير

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وكذبوك. ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونسوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، {ويصدون عن سبيل الله} وهي اتباع الرسل {ويبغونها عوجا} أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة (1) وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم (2) في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم -والحالة هذه -صلاح. هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا (3) منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر (4) بن ذر قال: قال مجاهد: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يبعث الله، عز وجل، نبيا إلا بلغة قومه" (5) . وقوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يضل تعالى من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، {وهو العزيز} الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، {الحكيم} في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة" (6) . وله شواهد من وجوه كثيرة، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٧٧) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وما يقربهم إلى رضاه، من الأعمال النافعة في الآخرة {ويصدون عن سبيل الله} [الأنفال: 47] يقول: ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه {ويبغونها عوجا} [الأعراف: 45] يقول: ويلتمسون سبيل الله، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله عوجا: تحريفا وتبديلا بالكذب والزور «والعوج» بكسر العين وفتح الواو في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائما، فأما في كل ما كان قائما كالحائط والرمح والسن فإنه يقال بفتح العين والواو جميعا «عوج» . يقول الله عز ذكره: {أولئك في ضلال بعيد} [إبراهيم: 3] يعني: هؤلاء الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يقول: هم في ذهاب عن الحق بعيد، وأخذ على غير هدى، وجور عن قصد السبيل. وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول «على» في قوله: {على الآخرة} [إبراهيم: 3] فكان بعض نحويي البصرة يقول: أوصل الفعل ب «على» ، كما قيل: ضربوه في السيف، يريد بالسيف، وذلك أن هذه الحروف يوصل بها كلها وتحذف، نحو قول العرب: نزلت زيدا، ومررت زيدا، يريدون: مررت به، ونزلت عليه. وقال بعضهم: إنما أدخل ذلك، لأن الفعل يؤدي عن معناه من الأفعال،

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٩١) ↗

التحرير والتنوير

وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم في أول سورة الأنعام [1] . والباء في بإذن ربهم للسببية، والإذن: الأمر بفعل يتوقف على رضى الآمر به، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق بجميع الناس، كقوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولما كان الإرسال لمصلحتهم أضيف الإذن إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير الناس، أي بإذن الذي يدبر مصالحهم. وقوله: إلى صراط العزيز الحميد [سورة إبراهيم: 1] بدل من النور بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماما به، وتأكيد للعامل كقوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم في سورة الأعراف [88] . ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ولما يتضمنه من التمثيل، ظاهرة. واختيار وصف العزيز الحميد من بين الصفات العلى لمزيد مناسبتها للمقام، لأن العزيز الذي لا يغلب. وإنزال الكتاب برهان على أحقية ما أراده الله من الناس فهو به غالب للمخالفين مقيم الحجة عليهم. والحميد: بمعنى المحمود، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى حمده عليه، وبذلك استوعب الوصفان الإشارة إلى الفريقين من كل منساق إلى الاهتداء من أول وهلة ومن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاد الحيلة. [2، 3] الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر- برفع اسم الجلالة- على أنه خبر عن مبتدإ محذوف. والتقدير: هو (أي العزيز الحميد) الله الموصوف

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٨١) ↗