البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة إبراهيم · الآية ١٤

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾

التفسير

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ، وقال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] . وقوله: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} أي: وعيدي (1) هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 37 -41] ، وقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] . وقوله: {واستفتحوا} أي: استنصرت الرسل ربها على قومها. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها، كما قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] . ويحتمل أن يكون هذا مرادا وهذا مرادا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم} الآية [الأنفال: 19] ، والله أعلم. {وخاب كل جبار عنيد} أي: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} [ق: 24 -26] . وفي الحديث: "إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد" الحديث (2) . خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر. وقوله: {من ورائه جهنم} و"وراء" ها هنا بمعنى "أمام"، كما قال تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] ، وكان ابن عباس يقرؤها "وكان أمامهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

[13، 14] 14] وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم. تغيير أسلوب الحكاية بطريق الإظهار دون الإضمار يؤذن بأن المراد ب الذين كفروا هنا غير الكافرين الذين تقدمت الحكاية عنهم فإن الحكاية عنهم كانت بطريق الإضمار. فالظاهر عندي أن المراد ب الذين كفروا هنا كفار قريش على طريقة التوجيه. وأن المراد ب لرسلهم الرسول- محمد صلى الله عليه وسلم، أجريت على وصفه صيغة الجمع على طريق قوله: الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون في سورة غافر [70] . فإن المراد المشركون من أهل مكة كما هو مقتضى قوله: فسوف يعلمون وقوله: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات إلى قوله: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب [سورة الحديد: 25] ، فإن المراد بالرسل في الموضعين الأخيرين الرسول محمد- عليه الصلاة والسلام- لأنه الرسول الذي أنزل معه الحديد، أي القتال بالسيف لأهل الدعوة المكذبين، وقوله: فكذبوا رسلي في سورة سبأ [45] على أحد تفسيرين في المراد بهم وهو أظهرهما. وإطلاق صيغة الجمع على الواحد مجاز: إما استعارة إن كان فيه مراعاة تشبيه الواحد بالجمع تعظيما له كما في قوله تعالى: قال رب ارجعون [سورة المؤمنون: 99] . وإما مجاز مرسل إذا روعي فيه قصد التعمية، فعلاقته الإطلاق والتقييد. والعدول عن الحقيقة إليه لقصد التعمية. فلا جرم أن يكون المراد ب الذين كفروا هنا كفار مكة ويؤيده قوله بعد ذلك ولنسكننكم الأرض من بعدهم فإنه لا يعرف أن رسولا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٠٥) ↗