سورة الرعد · الآية ٩
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بعموم علمه، وسعة اطلاعه، وإحاطته بكل شيء فقال: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } من بني آدم وغيرهم، { وما تغيض الأرحام } أي: تنقص مما فيها، إما أن يهلك الحمل، أو يتضاءل أو يضمحل، { وما تزداد } الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، { وكل شيء عنده بمقدار } لا يتقدم عليه ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه. فإنه { عالم الغيب والشهادة الكبير } في ذاته وأسمائه وصفاته { المتعال } على جميع خلقه، بذاته وقدرته وقهره. { سوآء منكم } في علمه وسمعه وبصره. { من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل } أي: مستقر بمكان خفي فيه، { وسارب بالنهار } أي: داخل سربه في النهار، والسرب هو ما يختفي فيه الإنسان، إما جوف بيته، أو غار، أو مغارة، أو نحو ذلك. { له } أي: للإنسان { معقبات } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار. { من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } أي: يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائما، فكما أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها شيء، { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حتى يغيروا ما بأنفسهم } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها. وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة، { وإذا أراد الله بقوم سوءا } أي: عذابا وشدة، وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم. { ف } إنه { لا مرد له } ولا أحد يمنعهم منه، { وما لهم من دونه من وال } يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال العوفي، عن ابن عباس: {وما تغيض الأرحام} يعني: السقط {وما تزداد} يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض (1) والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى. وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدر ما يتحرك ظل مغزل. وقال مجاهد: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر. وبه قال عطية العوفي وقتادة، والحسن البصري، والضحاك. وقال مجاهد أيضا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة، مثل أيام الحيض. وقاله عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن زيد. وقال مجاهد أيضا: {وما تغيض الأرحام} إراقة المرأة حتى يخس الولد {وما تزداد} إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب، ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها (2) فمن ثم لا تحيض الحامل. فإذا وقع إلى الأرض استهل، واستهلاله استنكار (3) لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل، أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول: يا ويلك (4) ! غذاك وأنت في بطن أمك، وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل، أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} وقال قتادة: {وكل شيء عنده بمقدار} أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلا معلوما. وفي الحديث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بقدرته، وهو المتفاعل من العلو مثل المتقارب من القرب، والمتداني من الدنو
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٤٥٢) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور هاد بدون ياء في آخره في حالتي الوصل والوقف. أما في الوصل فلالتقاء الساكنين سكون الياء وسكون التنوين الذي يجب النطق به في حالة الوصل، وأما في حالة الوقف فتبعا لحالة الوصل، وهو لغة فصيحة وفيه متابعة رسم المصحف. وقرأه ابن كثير في الوصل مثل الجمهور. وقرأه بإثبات الياء في الوقف لزوال موجب حذف الياء وهو لغة صحيحة. [8، 9] الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) انتقال إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية، فهو متصل بجملة الله الذي رفع السماوات [الرعد: 2] إلخ. وهذه الجملة استئناف ابتدائي. فلما قامت البراهين العديدة بالآيات السابقة على وحدانية الله تعالى بالخلق والتدبير وعلى عظيم قدرته التي أودع بها في المخلوقات دقائق الخلقة انتقل الكلام إلى إثبات العلم له تعالى علما عاما بدقائق الأشياء وعظائمها، ولذلك جاء افتتاحه على الأسلوب الذي افتتح به الغرض السابق بأن ابتدئ باسم الجلالة كما ابتدئ به هنالك في قوله: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها [الرعد: 2] . وجعلت هذه الجملة في هذا الموقع لأن لها مناسبة بقولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه، فإن ما ذكر فيها من علم الله وعظيم صنعه صالح لأن يكون دليلا على أنه لا يعجزه الإتيان بما اقترحوا من الآيات ولكن بعثة الرسول ليس المقصد منها المنازعات بل هي دعوة للنظر في الأدلة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٩٦) ↗