سورة الرعد · الآية ٣٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال: { وجعلوا لله شركآء } وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له، ولا ند ولا نظير، { قل } لهم إن كانوا صادقين: { سموهم } لتعلم حالهم، { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة، وهو لا يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يعلم الله أن له شريكا، وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون، ولهذا قال: { أم بظاهر من القول } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى، أنه بظاهر أقوالكم. وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زين للذين كفروا مكرهم } الذي مكروه، وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات الله، { وصدوا عن السبيل } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، { ومن يضلل الله فما له من هاد } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء. { لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق } من عذاب الدنيا لشدته ودوامه، { وما لهم من الله من واق } يقيهم من عذاب الله، فعذابه إذا وجهه إليهم لا مانع منه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الرعد ٣٣–٣٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {أكلها دائم وظلها} أي: فيها المطاعم (1) والفواكه والمشارب، لا انقطاع [لها] (2) ولا فناء. وفي الصحيحين، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت فقال: "إني رأيت الجنة -أو: أريت الجنة -فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا". (3) وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر. فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه. فقال: "إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه". (4) وروى مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، شاهدا لبعضه. (5) وعن عتبة بن عبد السلمي: أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: "نعم". قال: فما عظم العنقود؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع (6) ولا يفتر". رواه أحمد. (7) وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عبادة بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى". (8) وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم (9) جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس (10) كما يلهمون النفس". رواه مسلم. (11) وروى الإمام أحمد والنسائي، من حديث الأعمش، عن ثمامة (12) بن عقبة (13) سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولتعذيب الله إياهم في الدار الآخرة أشد من تعذيبه إياهم في الدنيا وأشق، إنما هو «أفعل» من المشقة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٥١) ↗التحرير والتنوير
رابعها: أن ادعاءهم آلهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع، وهو قوله: أم بظاهر من القول. خامسها: أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر، وهو معنى تسميته مكرا في قوله: بل زين للذين كفروا مكرهم. سادسها: أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى. وعطف وصدوا عن السبيل على جملة زين للذين كفروا مكرهم. وقرأه الجمهور- بفتح الصاد- فهو باعتبار كون مضمون كلتا الجملتين من أحوال المشركين: فالأولى باعتبار كونهم مفعولين، والثانية باعتبار كونهم فاعلين للصد بعد أن انفعلوا بالكفر. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف وصدوا- بضم الصاد- فهو كجملة زين للذين كفروا في كون مضمون كلتيهما جعل الذين كفروا مفعولا للتزيين والصد. وجملة ومن يضلل الله فما له من هاد تذييل لما فيه من العموم. وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في إثبات ياء هاد في حالة الوصل عند قوله تعالى: ولكل قوم هاد في هذه السورة [7] . [34] 34] لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) استئناف بياني نشأ عن قوله: ومن يضلل الله فما له من هاد [الرعد: 33] لأن هذا التبديد يومىء إلى وعيد يسأل عنه السامع. وفيه تكملة للوعيد المتقدم في قوله: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة مع زيادة الوعيد بما بعد ذلك في الدار الآخرة. وتنكير عذاب للتعظيم، وهو عذاب القتل والخزي والأسر. وإضافة عذاب إلى الآخرة على معنى في.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٥٤) ↗