سورة الرعد · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن الذين كفروا بآيات الله، يتعنتون على رسول الله، ويقترحون ويقولون: { لولا أنزل عليه آية من ربه } وبزعمهم أنها لو جاءت لآمنوا، فأجابهم الله بقوله: { قل إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب } أي: طلب رضوانه، فليست الهداية والضلال بأيديهم، حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات، ومع ذلك فهم كاذبون، ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون [الأنعام: 111]. ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية التي يعينونها ويقترحونها، بل إذا جاءهم بآية تبين ما جاء به من الحق، كفى ذلك، وحصل المقصود، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها، فإنها لو جاءتهم طبق ما اقترحوا، فلم يؤمنوا بها لعاجلهم العذاب. ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها. { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أي: حقيق بها، وحري أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك. وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه، فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة وتضاد الأحكام. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي: تطيب وتركن إلى جانب (1) الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرا؛ ولهذا قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} أي: هو حقيق بذلك. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم مالهم. وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم. وقال قتادة: هي كلمة عربية (2) يقول الرجل: "طوبى لك"، أي: أصبت خيرا. وقال في رواية: {طوبى لهم} حسنى لهم. {وحسن مآب} أي: مرجع. وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {طوبى لهم} قال: هي أرض الجنة بالحبشية. وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي، عن عكرمة: {طوبى لهم} أي: الجنة. وبه قال مجاهد. وقال العوفي، عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} وذلك حين أعجبته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: {طوبى} شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة. وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن عباس، ومغيث بن سمى، وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها. وذكر بعضهم أن الرحمن، تبارك وتعالى، غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن. (3) وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، [مرفوعا: "طوبى: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها". (4)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٥٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هم من أناب، ترجم بها عنها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥١٨) ↗التحرير والتنوير
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) استئناف اعتراضي مناسبته المضادة لحال الذين أضلهم الله، والبيان لحال الذين هداهم مع التنبيه على أن مثال الذين ضلوا هو عدم اطمئنان قلوبهم لذكر الله، وهو القرآن، لأن قولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه يتضمن أنهم لم يعدوا القرآن آية من الله، ثم التصريح بجنس عاقبة هؤلاء، والتعريض بضد ذلك لأولئك، فذكرها عقب الجملة السابقة يفيد الغرضين ويشير إلى السببين. ولذلك لم يجعل الذين آمنوا بدلا من من أناب [الرعد: 27] لأنه لو كان كذلك لم تعطف على الصلة جملة وتطمئن قلوبهم ولا عطف وعملوا الصالحات على الصلة الثانية. ف الذين آمنوا الأول مبتدأ، وجملة ألا بذكر الله تطمئن القلوب معترضة والذين آمنوا الثاني بدل مطابق من الذين آمنوا الأول، وجملة طوبى لهم خبر المبدأ. والاطمئنان: السكون، واستعير هنا لليقين وعدم الشك، لأن الشك يستعار له الاضطراب. وتقدم عند قوله تعالى: ولكن ليطمئن قلبي في سورة البقرة [260] . و (ذكر الله) يجوز أن يراد به خشية الله ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه. ويجوز أن يراد به القرآن قال: وإنه لذكر لك ولقومك [سورة الزخرف: 44] ، وهو المناسب قولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه. وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله [سورة الزمر: 22] ، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب، وقوله في آخرها: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [سورة الزمر: 23] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٣٧) ↗