سورة يوسف · الآية ٩٨
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال يوسف عليه السلام لإخوته: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } لأن كل داء يداوى بضده، فهذا القميص - لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يشمه، فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها العباد، وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر. { وأتوني بأهلكم أجمعين } أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم، ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. { ولما فصلت العير } عن أرض مصر مقبلة إلى أرض فلسطين، شم يعقوب ريح القميص، فقال: { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } أي: تسخرون مني، وتزعمون أن هذا الكلام صدر مني من غير شعور، لأنه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنه بهم فقالوا: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: لا تزال تائها في بحر الحب لا تدري ما تقول. { فلمآ أن جآء البشير } بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، { ألقاه } أي: القميص { على وجهه فارتد بصيرا } أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفندون رأيه، ويتعجبون منه منتصرا عليهم، متبجحا بنعمة الله عليه: { ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } حيث كنت مترجيا للقاء يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن. فأقروا بذنبهم ونجعوا بذلك و { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين } حيث فعلنا معك ما فعلنا. ف { قال } مجيبا لطلبتهم، ومسرعا لإجابتهم: { سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته، وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل، ليكون أتم للاستغفار، وأقرب للإجابة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ٩٣–٩٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس والضحاك: {البشير} البريد. وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب. قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب، فأراد (1) أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيرا. وقال لبنيه عند ذلك: {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} أي: أعلم أن الله سيرده إلي، وقلت لكم: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} ؟. فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} أي: من تاب إليه تاب عليه. قال ابن مسعود، وإبراهيم التيمي، وعمرو بن قيس، وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: كان عمر، رضي الله عنه، يأتي المسجد فيسمع (2) إنسانا يقول: "اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي". قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود. فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: {سوف أستغفر لكم ربي} (3) وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة جمعة، كما قال ابن جرير: أيضا: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو (4) أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سوف أستغفر لكم ربي} يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه (5) . وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤١٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيك وفي يوسف فلا يعاقبنا بها في القيامة {إنا كنا خاطئين} [يوسف: 97] فيما فعلنا به، فقد اعترفنا بذنوبنا. قال: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف: 98] يقول جل ثناؤه: قال يعقوب: سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها في وفي يوسف. PageEndV13P347 ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أخر الدعاء إليه يعقوب لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم، فقال بعضهم: أخر ذلك إلى السحر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٣٤٦) ↗التحرير والتنوير
[94- 98] 98] ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا التقدير: فخرجوا وارتحلوا في عير. ومعنى فصلت ابتعدت عن المكان، كما تقدم في قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود في سورة البقرة [249] . والعير تقدم آنفا، وهي العير التي أقبلوا فيها من فلسطين. ووجدان يعقوب ريح يوسف عليهما السلام إلهام خارق للعادة جعله الله بشارة له إذ ذكره بشمه الريح الذي ضمخ به يوسف عليه السلام حين خروجه مع إخوته وهذا من صنف الوحي بدون كلام ملك مرسل. وهو داخل في قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [سورة الشورى: 51] . والريح: الرائحة، وهي ما يعبق من طيب تدركه حاسة الشم. وأكد هذا الخبر بإن واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه ب لولا أن تفندون. وجواب لولا محذوف دل عليه التأكيد، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك. والتفنيد: النسبة للفند بفتحتين، وهو اختلال العقل من الخرف. وحذفت ياء المتكلم تخفيفا بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة. والذين قالوا: تالله إنك لفي ضلالك القديم هم الحاضرون من أهله ولم يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم إليه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٥٢) ↗