سورة يوسف · الآية ٩٢
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } أما يوسف فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه، فلعله والله أعلم قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل [يوسف: 77] أو أن الحادث الذي فرق بينه وبين أبيه، هم السبب فيه، والأصل الموجب له، { إذ أنتم جاهلون } وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم. فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: { أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينآ } بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، { إنه من يتق ويصبر } أي: يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا من الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكنك مما تريد { وإن كنا لخاطئين } وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف. ف { قال } لهم يوسف عليه السلام، كرما وجودا: { لا تثريب عليكم اليوم } أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم { يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ٨٩–٩٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي: إنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: {أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي} {قد من الله علينا} أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة، {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق، والسعة والملك، والتصرف والنبوة أيضا -على قول من لم يجعلهم أنبياء -وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطئوا في حقه. {قال لا تثريب عليكم اليوم} يقول: لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد (7) ذنبكم في حقي بعد اليوم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٠٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٣٣٠) ↗التحرير والتنوير
دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة للواقع في المستقبل، بل لعلهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي يزول تسببها بتعطيل بعضها. وقول يعقوب- عليه السلام- هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأن التحذير لا يثير في نفسه كراهة لإخوته لأنه وثق منه بكمال العقل، وصفاء السريرة، ومكارم الخلق. ومن كان حاله هكذا كان سمحا، عاذرا، معرضا عن الزلات، عالما بأثر الصبر في رفعة الشأن، ولذلك قال لإخوته إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [سورة يوسف: 90] وقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين [سورة يوسف: 92] . وقد قال أحد ابني آدم- عليه السلام- لأخيه الذي قال له لأقتلنك حسدا لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين [سورة المائدة: 28] . فلا يشكل كيف حذر يعقوب يوسف- عليهما السلام- من كيد إخوته، ولذلك عقب كلامه بقوله: إن الشيطان للإنسان عدو مبين ليعلم أنه ما حذره إلا من نزغ الشيطان في نفوس إخوته. وهذا كاعتذار النبيء صلى الله عليه وسلم للرجلين من الأنصار اللذين لقياه ليلا وهو يشيع زوجه أم المؤمنين إلى بيتها فلما رأياه وليا، فقال: «على رسلكما إنها صفية، فقالا: سبحان الله يا رسول الله وأكبرا ذلك، فقال لهما: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في نفوسكما» . فهذه آية عبرة بتوسم يعقوب- عليه السلام- أحوال أبنائه وارتيائه أن يكف كيد بعضهم لبعض. فجملة إن الشيطان للإنسان إلخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قص الرؤيا على إخوته. وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار بعضهم ببعض. وظاهر الآية أن يوسف- عليه السلام- لم يقص رؤياه على إخوته وهو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢١٤) ↗